عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 25 تموز 2016

زمن مكسور... سؤال المادة ورهان الوسيط

نصر جوابرة

يعد مشروع الفنان منذر جوابرة "زمن مكسور" نقلة جديدة في مسيرته الفنيه من حيث استخدام وتوظيف المواد والوسائط المتعددة والخارجة عن السياق والمالوف اضافة  الي البحث الجاد في مفهوم الزمن كبعد ودالة وجوديه  تعيشنا ونعيشها وتشكل شرطا لادراكنا ووعينا بذواتنا  ،تلك الدالة المخفزة للكثير من المشاريع الفنية ذات البعد الفلسفي حيث عمل عليها العديد من الفنانين، لكنه لازال قابلاً للإضافة والتعددية في تقديم أشكالاًمتنوعة من المعالجات.

بعد تجربة الاعتقال  الطوعية والمتعمدة التي عاشها الفنان جوابرة  في ذلك السجن الافتراضي الذي حاكي بجدرانه ونوافذه وابوابه معتقلات الاحتلال , اذ زج الفنان بجسده  بين تلك الجدران والتفاصيل  المجهزة للقهر والمعدة لاستلاب الجسد وتجميد الوعي المدرك للذات و للوجود,حاول جوابرة ان يعيش تلك التجربه  اي تجربة الاعتقال كباحث وكفنان يمنحه التقمص الوجداتي للحالة وعيا وادراكا اكبر وتساهم التجربة والخبرة المباشرة في بناء مشروعه الفني المتاسس علي البحث في الفن كحالة مفاهيمية تعيد ترتيب وتنظيم العلاقه ما بين العمل الفني والفنان والجمهور .كما تعيد قراءة دور كلا منهم في سياق نظرية تلقي معاصرة تمنح الفنان دور الباحث والفيلسوف كما تجعل من العمل الفني بنية خطابية تنتصر للفكرة اولا واخيراويشكل المتلقي ووعيه وادراكة لذلك الخطاب وما يتركة من احساسات وانطباعات هما سابقا لعملية البحث والخلق الفني..                                                 

كان لتلك التجربة دورها في نجاح جوابرة بتقديم عمل فني معاصر يتجاوز المنحي التسجيلي والتوثيقي ليوميات المعتقل الفلسطيني, مكثفا حضور الاعتقال وحالة القهر  واستلاب االروح والجسد بالاشتباك اللحظي للمعتقل مع الزمن,بما يشكلة الزمن من حالة صراع سرمدي رافق الانسان منذ ظهوره علي وجه الخليقة وشكل خصما معاند لايمكن هزيمته,ولا يمكن الامساك به  الا من خلال  الشيخوخة والعدم والفناء,  تتكثف معان هذا الصراع اللحظي  ما بين المعتقل القابع مابين جدران الاعتقال  ومابين هذا الخصم العنيد  القاهر,لكيتتخمر  في وعي الفنان جوابرة باحثا عن معادلا موضوعيا لهذه الصراع والمعادلة المعقدة الوجود,لكي يقدمها للجمهور  من خلال الحركة والمادة والتعبير ,وكأنها محاولة من الفنان للبحث عن طريقة  لزج المشاهد و  دفعه للاشتباك في ذلك الصراع  الذي يخوضه المعتقل السياسي  في كل لحظة ,فوجد من خيط الصوف وغزله بخطوط مستقيمة  ومتكررة  شكلا ومعادلا لذلك الاحساس اليومي, فنجد الخيوط تغطي سطوح اعماله وتخفي ورائها اشكالا رسمها جوابرة لمعتقلين  بصورة لاتخلو من تهكم  حيث يمارسون افعالا غريبة  عن واقع الاعتقال    تشي بحلم الحرية الدائم,  لربما اراد بها جوابرة لعنة هذا القهر اليومي الذي يعيشه المعتقل الفلسطيني    ,وفي اعمال اخري ومن خلال نسيج الفنان لخيوط من الصوف تتشكل اشكالا لاجساد بشرية تحيلنا الي  جسد المعتقل لربما كحالة تكثيف بصري ومادي لمعني الصراع ما بين المعتقل وكل لحظة زمنية يعيشها داخل الاعتقال ,و من خلال الفيديوالادائي الذي يقدمه الفنان مستخدما جسده  في التعبير عن حركة مملة ولا نهائية لفعل الغزل بين جدران الزنزانة ,محاولا  نقل تجربة وخبرة الاعتقال للمتلقي  وما تترك  تلك الخبرة  في وعيه من انطباعات واحساسات بالملل والكابة والقهر ولربما اعلان الهزيمة,او لربما يجسد جوابرة في هذا الفعل  مشهدا  من  مشاهد الاصرار والتحدي ما بين المعتقل  السياسي و الزمن ليصوره  وكانه بنسج بشكل لحظي خيوط الحرية والانغتاق .

من الصعب ان يقف المتلقي عند معني محددا لهذه  التجربة ,والتي حاول بها جوابرة كفنان معاصر واع لدوره كوسيط يقدم  خطاب  فني  بستهدف الاشتباك الوجداني المباشر مع المشاهد ورفع  طاقته التفاعلية مع العمل لينقل له خبرة وتجربة ربما لم يعيشها واقعا ,لكنه يراهن من خلال زجه في ذلك العرض الذي يشمل وسائد مختلفة مابين الفيديو والانستليشن والرسم وبتبني استراتيحيات تعبير تجمع ما بين التهكم والجدية وبخضور عنصر الفاجأة  والدهشة والغرابة, مراهنا علي ان يستطيع من خلال هذا المزيج والخطاب الفني المركب واللا مألوف ان يعش بوجدانه هذه التجربة اللعينة  وذلك هو الرهان علي نجاح هذه التجربة الفنية من عدمها.