اليمين ونخبه في الحكم.. ومع ذلك يواصلون البكاء والتذمر
هآرتس – رفيت هخت

تعيش إسرائيل مسيرة حثيثة من تغيير النخب. وقد بدأت المسيرة ما بعد التحول في 1977، وتعاظمت مع التغييرات في الجيش الإسرائيلي في العشرين سنة الأخيرة، عندما امتلأ المستوى الميداني بمعتمري الكيبا، وهو يحظى بريح إسناد قوية من الموظفية العامة– مثل النيابة العامة وجهاز التعليم بفروعه– والذي تعاظم فيه أيضاً التمثيل الديني. أما الآن فهو يوجد في مرحلة التعبير الأكثر خارجية – في وسائل الإعلام، في الفن، في الثقافة وما شابه.
رغم ما يشعر به الكثيرون من المعسكر الأوروبي– العلماني، فليست هذه نهاية العالم. الصراع أو إعادة التوزيع للقوة لا ينبغي أن تفرض على أحد المنفى من وطنه، من عائلته ولغته. هذا زمن الشرقيين والمتدينين، ممن يحظون بالتعبير الديمقراطي والثقافي الذي يستحقونه. فضلاً عن ذلك، فإن تعزز الميول القومية المتطرفة، الدينية والانعزالية، والارتفاع في المشاعر المناهضة لليبرالية، هي ظواهر عالمية. من الهند والصين وحتى الولايات المتحدة الدائخة بعد ترامب. إسرائيل لم تكن، بالمناسبة، أبداً ديمقراطية ليبرالية. فمن يختنق بالأشواق "للبلاد الطيبة والقديمة ذات مرة" مدعو لأن ينعش ذاكرته بالبطاقة الحمراء أو الحكم العسكري. إسرائيل ليست مميزة، بل تعكس، على طريقتها، هذا الميل العالمي.
ولكن المذهل هو أن عويل بواقي البلاد القدماء، ممن يرفضون استيعاب حقيقة كونهم أقلية ديمغرافية وثقافية تستحق حجماً سلطوياً محدوداً جداً– يسكتون الأصوات البكائية للنخب المتعززة. وهؤلاء، رغم التسارع المستمر في قوتهم وفي العطف الشعبي إلى جانبهم، لا يكفون عن اتهام المؤسسة (التي باتت منذ زمن بعيد تتشكل منهم) بالتمييز، الاضطهاد، الإسكات، القمع. فمعظم أعضاء الكنيست هم يمينيون، وليسوا علمانيين ومناهضين لليبرالية. ولا يزال الحكم دوماً يخضع لليسار أو ليس يمينياً بما يكفي. المستوى الميداني مليء بالجنود وبالضباط المتدينين (حسب التقديرات 30 – 40 في المئة من خريجي دورات الضباط هم معتمري كيبا)، ولكن مثلما تعرفنا من تصريحات الحاخام يغئال لفينوفيتش، فإن الجنود المتدينين هم أهداف متحركة ومحتقرة في الجيش الإسرائيلي. "إسرائيل اليوم"، "مكور ريشون"، القناة 20، القناة 7، صوت إسرائيل، وكذا صوت الجيش المتجدد، روميمة الرسمية الموالية للحكم، القنوات التجارية التي تسعى إلى إرضاء الزبائن في البيت و"يديعوت أحرونوت" التي بالإجمال توجد في نزاع شخصي مع نتنياهو– كل هذه وسائل إعلام في توجه يميني، على الأقل مركزي. أما في الحوار اليميني فإن وسائل الإعلام هي دوماً "يسروية".
إن إحساس الاضطهاد هذا هو قبل كل شيء أداة حيوية في الطريق إلى استكمال الثورة. فمشاعر المظلوم هي أداة دفع ناجعة جداً – مثل ريال مدريد الذي يكون في أفضل صوره عندما يكون ظهره إلى الحائط أو بنيامين نتنياهو الذي تقوم حياته المهنية على أساس هذه الخدعة ("كل العالم يكرهنا"). ولكن لا ينبغي أن نتجاهل أيضا المصدر النفسي لهذا المقدر– مشاعر الدونية التي لا تنتهي ووعي كدي دائم يقف منذ زمن بعيد في خلاف للواقع. مظلومو مباي– الشرقيين، أبناء الصهيونية الدينية واليمينيين بصفتهم هذه– ببساطة يرفضون الاستيعاب أنهم أصحاب السيادة.
وكنتيجة لذلك يرفض الحكم أن يطبق على نفسه القواعد الرسمية وتعمل أجهزته كمقاتلي العصابات السائبين الذي يكافحون في سبيل حياتهم ووزراؤه يتحدثون كآخر المعقبين منفلتي العقال على الإنترنت. وهكذا تصبح قصيدة محمود درويش خطر وجودي (موازية لـ "كفاحي" لهتلر، حسب افيغدور ليبرمان)؛ صد التأثيرات الفقهية على تعليمات فتح النار وقوانين الحرب هو مؤامرة يسروية وانهزامية؛ الحاخام لفينشتاين هو شخصية يحذرون من المس بكرامته، وبدلا من التخلص منه، يكتفون بتنديدات هزيلة لأقواله؛ تقرير عن تحقيق في شؤون رئيس الوزراء هو تنكيل إعلامي مقصود بالحكم، وحتى الوظيفة النهائية في المدرسة والتي تقدم رسماً عارياً خيالياً لوزيرة هي احتقار لرموز الحكم.
إن هذه المشاعر، ولعلها أكثر من الأيديولوجيا، هي المسؤولة عن التفكيك القبلي والتحلل للتراص الإسرائيلي. الحكم الذي لا يؤمن بأنه حكم، يؤدي بالضرورة إلى حرب أهلية.
مواضيع ذات صلة
222 قتيلًا منذ مطلع العام: مقتل شقيقين وإصابة والدهما في الرملة
مئات الآلاف من "الحريديم" يتظاهرون ضد قانون التجنيد في جيش الاحتلال
وزير جيش الاحتلال يقرر منع زيارة ممثلي الصليب الأحمر للمعتقلين
كفر ياسيف: المئات يتظاهرون تنديدًا بجرائم القتل وتواطؤ الشرطة الإسرائيلية
تظاهرة حاشدة في تل أبيب للمطالبة بوقف الحرب على غزة وإبرام صفقة تبادل
مقتل مواطنين في جريمتي إطلاق نار في رهط ودير الأسد