الأحزاب الدينية في غزة بين واقع التشكيك في مصداقية المقاومة والشراكة في سفك دماء الحرب
ثورة حوامدة

بتتمات غير متوقعة ونهاية شبه مفتوحة استكمل الكاتب يامي أحمد أحداث روايته "بقايا مريم" الصادرة حديثا منتصف العام2016م، مسلطا الضوء على الإنقسام وتداعياته، وما يترتب عليه داخليا/فلسطينيا،وما ينجزه خارجيا للمخطط الإحتلالي بالتمكن والتوغل أكثر في الجسد الفلسطيني المنهك منذ النكبة " الانقسام فرصة كبيرة لن تسمح اسرائيل بإنهائها بسهولة، إلا إذا كان لها مصلحة في ذلك" ص112. مع التأكيد على أن الإنقسام لم يكن في منأى عن حديث الشارع، بين المتجمعين في مكان عام أو المارين من أمام البحر، صوّر الكاتب ذلك من خلال حديث دار بين البطل ومجموعة من عناصر أمن الحزب الديني الذي انتصر في الإنتخابات، فرحين بما يحملوه من عتاد يشير إلى قوة وحصانة اكتسبت من وقت قصير لم يعتد بعد عليها أصحاب الخبرة البسيطة، ولإنحصار عقولهم في حدود لا يسمح للتفكير بتجاوزها، لا يدركون الهوة السحيقة التي تتسع أكثر بسؤالهم المتكرر "إنتوا تبع أي حزب؟"، والتي تقف له بالمرصاد إجابة "نحن مش تعون حد" ص121 .
الرواية الصادرة عن دار المعرفة ومكتبة سمير منصور للطباعة والنشر والتوزيع، هي المُكملة والمستوفية للأحداث التي جاءت في رواية "يوسف يا مريم" الصادرة في مصر عام 2014م. التراكمات والتفاصيل واصلت التطور على نفس الوتيرة التي جاءت في الجزء الأول. الحب مثلا من العوالم والجزئيات البسيطة غير المهمة في قيمتها المادية إذا صنّفت في خانة المال، يغتالها أصحاب السلطة والجاه بقوتهم التي تفتك بمن يقف في وجههم، متجردين من أحاسيسهم البشرية وأفكار احترام الآخر وتقبله بحالته التي هو عليها. تلك المشاعر مهما حاول أصحابها التعايش مع الألم بمفردته الحقيقية، من المحتمل أن تأتيهم ضربة أخيرة تضعف قواهم وقدرتهم على مواجهة الحياة بالمزيد من الموت المرتب والمدروس بعناية. ما يجعل في نفس الوقت إيجاد محاولة جديدة لإشعال فتيل بداية مختلفة محكوم بالفشل، في ظل زوايا محصورة لا حدود قصوى فيما تقدمه، ولا استفاقة أخرى تفتقر الحظ بإمكانها أن تسعف ما استجد على النهايات المأساوية في غزة، المكان الذي دارت به غالبية أحداث الرواية
التي انسلخت كليا عن المثالية، متعمدة إظهار الواقع الفلسطيني بسوداويته وحالته الرثة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، مضافا إليها المساحة الصغيرة والضيقة للحب في ظل تكالب قوى غير عظمى محلية نصنع خوفنا منها بأيدينا.
بقايا وجوه متشابهة :
بطل الرواية "يوسف" في لحظة يأس من المحيط به قرر ترك البطلة "مريم" ، لم يكن هذا القرار فجائي، وإنما جاء بعد السجن والتعذيب بأنواعه النفسي والجسدي الذي تلقاه من أتباع "نبيل"عم البطلة وأحد القيادات المهمة في غزة قبل الإنقسام. حالة يوسف التي وصل إليها وبقاءه وحيدا في منطقة مشبعة بالموت، لا يكفيها حربا واحدة لترتوي من الدم، والقوة التي يمتمع به رجالات الحكم والسلطة والتي آذته في الدرجة الأولى، هي ما جعلته يقرر بعد ذلك أن يستسلم بقناعة مطلقة للواقع، ويجاري قصص الحب التي تناسب حالته المادية بزواجه من "جيهان" قبل اعتقاله للمرة الثانية من قوى الأمن في غزة، كون الحب أيضا يأتي على مقاس المثل القائل "على قد لحافك مد رجليك". أما "مريم" برحليها من غزة إلى الضفة الغربية مُجبرة، بعد فوضى الإنتخابات التي أوصلت الوضع السياسي إلى الحضيض، وتصفية أبناء عمها الذين لم يتجاوزوا الطفولة بعد لأسباب سياسية، قررت الزواج من "رائد" الشاب الوسيم الذي يتمتع بمنصب مهم في سلطة رام الله ومكانة إعلامية ومجتمعية، للتخلص من الضعف الذي جعلها تساق إلى حيث لا تريد، ولم تدرك لسبب ما أن الطريق الذي يرسمه لنا الآخرون لا يمكنا الوصول بنجاح إلى آخره، عادت مطلقة إلى غزة تبحث عن فرصة لقاء مواتية .
الحرب لا تترك خلفها ضحايا فقط، بل وتزيد ضمنيا من أعداد المجرمين الذين يمارسون القتل بأبشع صوره وبأكثر أنواع الأسلحة فتكا، اتضح هذا من حديث البطل عن تجارة الأسلحة الدولية، وأن المسرح الدولي بحاجة لخشبة تُعرض عليها قوة وفاعلية هذه الأسلحة، ليعاد الحديث أيضا عن تكرار الحرب الاسرائيلية على غزة، والتطور الرهيب في كمها ونوعها وتكلفتها على الصعيد العسكري الاسرائيلي وما ينتج عنها من أرباح أرقامها لا تصدق، تفوق أسعار البورصة والإسكانات والتجارة، وقوتها الفعلية وما تخلفه من تشوهات دائمة لا يمكن للطب بمستوياته المتقدمة أن يعالجها، والذي يمكن تلخيصه بجملة مفيدة أن الحروب المتكررة تفيد بأن غزة لا تعد أكبر من حقل تجارب لاختبار مخزونٍ هائل من الأسلحة الاسرائيلية في الوقت الذي يرى فيه جمهورا عريضا من الفلسطينيين أن المقاومة لم تعد كالسابق، ليست أكثر من وسيلة لتغذية الإنقسام والنعرات الدينية، وليسوا أكثر من شركاء في الحرب بسفكهم دماء الشعب الفلسطيني بصورة غير مباشرة .
في حوار قصير نسبيا أجريته مع كاتب الرواية حول جوهر القصة، وكانت إجابته على هذا النحو:
_ هل غزة التي تركتها وتغربت عنها هي مريم إذا ما اعتبرنا أن البقايا وجه شبه بينهما؟ .. نعم، وربما هذا أقرب تفسير وأصدق تفسير، الربط ما بين مريم وغزة، فأنا عادةً لا أنظر إلى شخصيات العمل الروائي كبشر، بل مدن وأفكار ونماذج وأطروحات.
_كيف يكون الحب مأساويا فلا نفلت من لعنة القرب ولا البعد استنادا إلى آخر مشهد أسدلت عليه ستارة النهاية في الرواية؟ في نهاية المشهد لم يسدل الستار كاملًا، أنا أتجنب الحديث عن النهايات في روايتي، أنا لا أجيد قتل الأمل، والنهايات المغلقة لا أحبها.
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين