"الكنعانيون".. امكانية شعب جديد
معاريف - بقلم: يرون لندن

صادقت لجنة الكنيست أمس (الاول) للقراءة الثانية والثالثة على قانون التنحية الذي لا غاية له سوى كم افواه النواب العرب. وأنا أرفض القانون في سياق الرؤيا التي يرى فيها الكثيرون جنونا وأنا أرى فيه امكانية قابلة للتحقق.
ذات مرة كان هنا تيار فكري سمي سخرية "كنعانيين". واضعا، الشاعر يونتان رتوش، والمؤرخ عديا حورون، ادعيا بانه ولد في البلاد شعب يتجاوز ألفي سنة منفى ويرتبط بالثقافات الصنمية العتيقة التي ازدهرت في بلدان الهلال الخصيب. وتأثر أدباء وفنانون هامون بالمزاج الذي يتناسب وصورة الوليد (الاصيل) الذي مشهد مولده، لغته، العبرية الجديدة وتحدياته أمام محيطه تقطعه عن التاريخ اليهودي.
لقد تعرضت رؤيا "الكنعاني" للتحقير وتبددت، ولكن سياقات التاريخ تريدها بشكل جديد. فاليهود يطورون شخصية جماعية تختلف عن شخصية يهود الشتات. فهؤلاء سرعان ما تقل اعدادهم ومشاعرهم تجاه الدولة تبرد. وليس لزمن طويل ستبقى العلاقة التي تقوم على اساس ذكرى الكارثة، على اللاسامية المعتدلة وعلى اطباق المطبخ اليهودي التقليدي. واصطح "ابناء شعبنا في الشتات" هو مجرد كلمة دارجة، تعبير عليل لا يعبر عن هوية مشتركة والتزام متبادل عميق. ووحدها عاصفة لاسامية اجرامية وأزمة اقتصادية فظيعة في الدول الغربية ستوقف هذه المسيرة.
وعلى نحو مشابه يبتعد العرب الاسرائيليون عن العالم العربي. فهم يبتعدون عنه بسبب عشرات سنوات الانعزال المفروض، بسبب اغراءات الديمقراطية وبسبب اعترافهم بان حياتهم كاسرائيليين افضل من الحياة في الدول العربية. ولا غرو أن معظمهم لا يتطلعون الى الخارج بل الى الداخل، وبالذات لهذا السبب تتعزز مطالباتهم بالمساواة الكاملة. التصريحات الفظة على لسان شخصيات عامة عرب، والتي يعتبرها معظم اليهود كتهديد، ليست مؤشرا على الابتعاد بل على الاقتراب الذي يترافق والرغبة الطبيعية للحفاظ على التميز. قارنوا هذا بالتصريحات التي لسان الزعامات الاصولية في ضوء انهيار الاسوار التي تفصل بين مجتمعاتهم وبين العموم الاسرائيلي.
وكنتيجة لهذه القوى، التي تكاد لا تكون متعلقة بافعالنا وقصوراتنا، ينشأ هنا حاضر اسرائيلي متعدد الالوان تتوثق روابطه الداخلية. سند غير مباشر لحجتي اجده في آخر بحث لعالم الاجتماع البروفيسور سامي سموحه، الذي يواظب منذ سنين على فحص العلاقات بين الشعبين. فهو يكتشف ان الثلث من بين اليهود والعرب من مواطني اسرائيل لا يلقون بكامل الذنب في النزاع على الشعب الاخر. هذه معدل هائل اذا اخذنا بالاعتبار حقيقة أن أبناء الجماعتين يطعمون لعشرات السنين من الدعاية التي تلقي كل الذنب على غيرهم.
ان الاعتراف بان ابناء قبيلتي ليسوا ابرياء ليس ممكنا دون تطور واقعي. ففي غضون أربعة أجيال، تحولت اقلية من نحو 100 الف عربي، في غالبيتهم الساحقة فلاحون صغار صودرت معظم اراضيهم، الى اقلية كبيرة سيبلغ عددهم في غضون 15 سنة مليوني مواطن وفيهم طبقة وسطى مدينية، عشرات الاف خريجي الجامعات ونخبة مثيرة للانطباع تتحدث العبرية، وفي احيان كثيرة أغنى من تلك اليهودية التي العبرية هي لغة الام لديهم.
ان الوجود البارز لكثير من العرب في مهن الطب، التعليم، القضاء والمحاسبة، مقابل الوجود الهزيل لهم في الاعمال التجارية الكبرى، في الشركات الحكومية، في خدمة الدولة، في الجيش وفي مجالات عديدة اخرى هو نتيجة تسلل. ومثل اليهود في المجتمعات الاوروبية اللاسامية فانهم يتسللون عبر الثغرات في الحواجز ويتثبتون بالتدريج في مجالات عمل اقل حساسية للتمييز المؤطر والاراء المسبقة. وفي نهاية المطاف، سينجحون في توسيع الثغرات لدرجة أن دائرة هويتهم الاساس ستكون المشتركة لمعظمنا.
في اسرائيل، احدى الدول المكتظة في العالم، لا يحتمل فصل على مدى الزمن. نحن محكومون بالاحتكاك والاختلاط الواحد بالآخر بلا حدود. لا يمكن أن نعرف كيف سيبدو المجتمع الاسرائيلي بعد بضعة اجيال، ولكن ليس بالضرورة التمسك بالتوقع المتشائم. بعد عشرات السنين من فكرة "الكنعاني" التي لفظت أنفاسها، تبرز مؤشرات تلمح باستيقاظها.
مواضيع ذات صلة
222 قتيلًا منذ مطلع العام: مقتل شقيقين وإصابة والدهما في الرملة
مئات الآلاف من "الحريديم" يتظاهرون ضد قانون التجنيد في جيش الاحتلال
وزير جيش الاحتلال يقرر منع زيارة ممثلي الصليب الأحمر للمعتقلين
كفر ياسيف: المئات يتظاهرون تنديدًا بجرائم القتل وتواطؤ الشرطة الإسرائيلية
تظاهرة حاشدة في تل أبيب للمطالبة بوقف الحرب على غزة وإبرام صفقة تبادل
مقتل مواطنين في جريمتي إطلاق نار في رهط ودير الأسد