مشوار قصير

قصة قصيرة
*عزة رشاد
بعد أن أقطع الميدان الرئيسي أستسلم لامتداد الطريق. أغوص في شوارع رفيعة بلا أسماء، أحدق إلى البيوت المتآكلة، أمشي وأمشي، حتى أصل إلى هناك، حاملة معي شيئاً من فاكهة الموسم وبضع كلمات متذبذبة بين خلايا حنجرتي ولساني.
الجمعة الأولى من كل شهر هي موعد زيارتي لها "سميرة". عهد قطعته على نفسي منذ مغادرتي للبيت.
يستقبلني، قبل أن تفتح بابها، أريج رياحينها وعبق بخور معتق يخصها. عادةً ما يشي وجهها بارتياح لرؤيتي، يدلني عليه الارتفاع الطفيف لزاويتيّ فمها، اللتين تبقيان أغلب الوقت منخفضتين.
بعد أن تحكم غلق الباب تلتفت نحوي وتبادرني بشيء من العتاب: من زمان..
أجيبها ككل مرة وأنا أهرب من عينيها: شهر واحد.
تقودنا الردهة الطويلة المظلمة إلى الأنتريه النظيف المرتب. أجلس عادة على المقعد المواجه لمقعد أبي، بحيث تبقى عيناي في عينيّ صورته المعلقة فوق الجدار، طيلة وقت الزيارة "القصير في الغالب".
قدَّمتْ لي كوب ليمونٍ بارد، ربما أدركت أن حرارة الجو لا تحتمل سخونة الينسون الذي كانت تقدمه لي سابقًا، وربما نفد ما لديها منه ولم تجد مَن يشتري لها. شربتُ الليمون دفعة واحدة ثم نهضتُ ووضعتُ الكوب الفارغ على الطاولة فاهتزت يدي قليلاً، رفعت رأسي فرأيت صورة "سارة".
لم يكن ذنبي أنني أردت أن أكون مثلها في كل شيء.. أردت أن أكون سارة، فاستحققت نفور سميرة.
كانت.. قبل سنوات طويلة، تخبط ظهري لأصحو في موعد المدرسة، أعود بعد الظهر متحسبةً للساعات التي سأقضيها معها. أحياناً كنت أملأ أذنيَّ بالقطن لكي لا تنفجر رأسي من صخب ضحكاتِها المتشنجة وصراخها الهستيري.
عمتي الكبيرة كانت تحدق بفوضى البيت وبوجه سميرة الغاضب ثم تسرع بلف طرحتها السوداء حول قرطيها الذهبيين، تتصعَّبْ وتهم، غاضبةً، بالمغادرة: فين أيام سارة؟
أما جارتنا العجوز فقد همست بأذني أكثر من مرة: الذي حرمك من جمال أمك لم يقفل باب رحمته تمامًا.. لم يحرمك من كمال خُلقها. الجمال ليس دائماً نعمة.
سميرة التي كانت قد أخلت الجدران من صور سارة، لم تستطع أن تعجزني تماماً، أدلف من باب الغرفة "غرفة سارة"، المغلقة عادة، أمرر في شعري مشطها العاجي القديم، فينحفر برأسي مفرقاً عميقًا وعاريًا، لا هو بالجانبي، ولا بوسط الرأس، ويكاد قلبي ينخلع حين ينساب شعري ويستطيل في يدي ثم يلتفت حلزونياً حتى يرتفع كعكة فوق رأسي.. تاجاً من سواد، يفتن عيني، ولا يرحمني من التساؤل: هل هكذا كانت سارة؟
أفتش عن وجهها في مرآتها ذات الإطار الذهبي الذي كلح لونه، وعندما يتشتت ذهني أروح أتفنن في تقليد صوتها ومشيتها.. نظراتها وإيماءاتها، في تقليد ما أتخيله عنها. أحدثها في أذن أول نجمة تظهر في السماء، وأترك لها رسائل على الغصن الوليد لريحانة نافذتي وأنتظر بكل جدية ويقين أن يصلني ردها، ثم يعميني اليأس والغضب فأذهب باتجاهٍ آخر.
أرتب البيت وأتحمل عناء اخوتي " أبناء سميرة" المنكفئة على كآبتها، ويطيب لي أن أراهم يفرون منها إليَّ، يطيب ليأن أسمع أقاربنا يتهامسون عني: كبرتْ قبل الأوان.
لكن أحدًا لم يقل: تُشبه سارة.
كنت أتآمر لإبانة نقائص سميرة، ولتضخيمها كذلك، كي يغضب منها أبي، كي ينتصب جدارٌ صلدٌ بينهما. يحدق طويلاً بعبوس وجهها وتطرب أذني غمغمته البائسة: فين أيام سارة؟
من الباب الموارب كنت ألتقي بعالمٍ أكبر مني. أرقب أبي يتسلل في عتمة الليل ليدخل محراب سارة، تقعي سميرة على ركبتيها مطأطئةً رأسها في ركنِ الصالة القصي، تلف خصلة من شعرها حول سبابتها في صمت، وفي الصباح نصبح جميعاً ضحايا صخبها وهذياناتها.
ذات ليلة أثناء إحدى جولاتي البحثية بغرفة سارة، شعرت بيد تدير أُكرة الباب لتدخل، تواريت وراء الستارة، وبطرف عيني طالعتها.. سميرة. راحت تتأمل نفسها في نفس المرآة ذات الإطار الكالح.. تمرر يدها على وجنتها، تمرر يدها علىشعرها، التفتتْ، خطتْ خطوة ثم انحنت تمرغ وجهها فيالفراش الذي بدا لي وثيراً ومهيباً أكثر من أي مرة، ثم انفجرت في نشيج مكتوم.. أوجع قلبي.
أخفقتُ في الخلاص من ملاحقتهما. تدفعني إحداهما لمشاكستها بينما تجذبني الأخرى لاستحضارها بحواسيمن الغياب. تملأ حِجري في الليل بحفنة رملٍ أبيض. أخطوفي الصباح كالمنومة، بكفي القابضة على خوائها وباحتقاني بحزن كتيم.
ذهبتْ سارة وأتت سميرة، كي لا تضيع "حتة اللحمةالحمرا" التي صارت أنا.
كوب الليمون كف عن الاهتزاز. أخبرتني سميرة أن الطاولة أعياها القِدم، ولم تُعلِّق على يدي بأية كلمة. اقتربتْ. ربتت على ظهري بحنو، فارتجفتْ روحي وانسابت مني الكلمات.
حكيت لها عن عملي الجديد ثم هربت الكلمات، خجلت من أن أعلن أنني أعيش قصة حب، وأن سعادة ما في انتظاري، ولحسن الحظ لم تلاحظ شيئًا، كانت مستغرقة في الحكي عن أمنياتها التي لم تتحقق، وعن هموم لا تكف عنملاحقتها. رحنا نتعاتب ونتصارح بأشياء فعلتها كل منابالأخرى.
بكينا ثم شَرقنا من الضحك على أشياء لم نفعلها، ومقالبلم تأتِ فعلها.
بدا حديثنا في هذه المرة كان أطول من مجموع أحاديثنا فيالأعوام السابقة مجتمعة.
نهضتْ مغتبطة ثم صاحتْ راجية: أشوف البحر.
وفيما كانت تترقب موافقتي، كنت أحملق في صورة سارة،مأخوذة بالتشابه بينهما الذي لم يعلن لي عن نفسه بهذا الجلاء من قبل.
بعد رحيل أبي بوقت قصير هدأت سميرة، ولم أعد أراهاالنكدة الشريرة المستحقة لكراهيتي.
أحببت الرجل الوحيد الذي تجرأ لساني وحدَّثه عنهم، وهذاالرجل هو الذي حكيت له كل ما كان منهم ومِنِّي، وهو الذيصارحني بأن سميرة لم تكن وحدها من أسلمت أذنيهالصفير الريح.. ففيما كانت تفتش عن رائحة أبي في ثنايا فِراش من ماتت، كنت أتحسس تعرجات الحيطان، أفتش عن سارة، علها اتكأت يومًا بمرفقها عليها، أشتم زوايا دولابها الفارغ كي أتعرف رائحتها.
بعد وقت غير قصير توقفت عن لوم أي أحد على العطن الذيأصاب غصن ريحانتي الوليد بسبب تشابك الأغصانالكبيرة من فوقه وحرمانه من دفء الشمس. واقتنعت بأنه فقط.. ثمة أشياء تحدث عند التواءات الطريق.
علَّقتْ ذراعها المتغضنة بذراعي المهتزة ومضينا صوب البحر، برز بيننا ظل أمي، وركض ظل أبي ليلحق بها.. تساقطنا جميعنا فوق الرمال.. أربعة ظلال يغمرها الشفق بحناناته.. أربعة ظلال تقابلت، تقاطعت، ثم تناثرت لتفترقمن تلقاء نفسها.
*فاصة وروائية مصرية
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين