عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 04 تموز 2016

خادمو الاجماع

هآرتس - بقلم: دانييل بلتمان

في اليوم الذي كان يفترض أن تحصل فيه منظمة "نحطم الصمت" على جائزة بريلسون في جامعة بن غوريون في النقب، ألقت المديرة العامة للمنظمة، يولي نوفيك، خطابا أمام المشاركين في المؤتمر الدولي لتعليم الكارثة وابادة شعب الذي عقد في الجامعة العبرية. وقد شاركت بمقعد خاص تم تخصيصه لمنظمات حقوق الانسان في اسرائيل. وكما هو معروف فان رئيسة جامعة بن غوريون، البروفيسورة رفقه كارمي، ألغت قرار اتخذه قسم تعليم الشرق الاوسط بمنح "نحطم الصمت" الجائزة التي يتم منحها منذ عقدين لشخص أو منظمة يعملان من اجل التعايش اليهودي العربي. ادارة الجامعة قالت إن الحديث يدور عن "منظمة ليس لها اجماع قومي. ومنح الجائزة لها قد يفسر كنوع من الانحياز السياسي".

كارمي هي عالمة لها سمعة في مجال البحث الجيني وعلاج الامراض الوراثية. ولكن حجم المسؤولية الملقاة على عاتقها بصفتها تقف على رأس اكاديمية بارزة في اسرائيل، لم تفهم  الوضع كما يبدو بعد سنوات في منصبها. حيث أنه تكمن هنا روح الاكاديميا – الاستعداد لاعطاء منصة للاصوات والطوائف الغير مشمولة فيما يسمى بالاجماع، سواء كان قوميا أو علميا أو سياسيا أو عدا ذلك.

لنتخيل أن الجامعات في ايطاليا التي عمل فيها كوبورنيكوس في القرن السادس عشر لم تكن تسمح له بتطوير استنتاجاته التي تقول إن الكرة الارضية تدور حول الشمس، وبالتالي فان الشمس هي مركز الكون. لنتخيل أنها كانت ستقبل "الاجماع" الذي فرضته الكنيسة الكاثوليكية، التي منعت في 1616 نشر كتابه والنظرية التي طورها. ولنتخيل أن جامعة فيزيه منعت غاليليو من نشر ابحاث وتحليلاته حول فيزياء ارسطو ونظرية الجاذبية، حيث أن افكاره لم تكن في حينه بالاجماع. لنفرض أن الجامعات لم تسمح له في الاستمرار بابحاثه ونشر اكتشافاته الهامة عن القمر والمجرة الشمسية وكانت ستخضع في سنة 1633 لقرار الكنيسة الذي منعه من الخروج من بيته والحديث أو الكتابة عن هذا الموضوع. وبشكل مشابه، جامعة كامبردج أو "رويال اكاديمي" كانتا سترفضان اعطاء منصة لاستنتاجات تشارلز داروين لأنها كانت "خارج الاجماع".

ما هو عمليا ذلك الاجماع الذي تخاف البروفيسورة كارمي من التواجد خارجه؟ لقد تحولت منظمة "نحطم الصمت" الى رمز للرفض المدني والنظام الذي يحافظ على الوضع السياسي الراهن والذي في مركزه تخليد الاحتلال وفرض سياسة الفصل العنصري في المناطق. الموافقة على الطريقة التي تخلد الاحتلال والقمع العنيف لملايين الاشخاص الفاقدين لحقوقهم السياسية، هي عمليا الاجماع الذي تخشى منه البروفيسورة كارمي. المؤسسة السياسية والتنظيمية التي تعمل بطريقة نشر الدعاية الفظيعة على نمط فاشي، هي التي تنشيء الاجماع الجماهيري الذي خرجت ضده منظمة "نحطم الصمت".

دعاية الفظاعة هذه هي طريقة متزامنة بشكل متوازي من قبل جهات متعددة. رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو قال إن المنظمة تعمل ضد الجيش الاسرائيلي (أي أنها منظمة خونة). موشيه يعلون قال بشكل واضح إن الحديث هو عن منظمة خونة (وتراجع بعد ذلك). ياريف لفين، بوق الدعاية الفاشية للحكومية، قال إن الحديث عن منظمة خونة بتمويل حكومات اجنبية. الذراع التنفيذي لهذه الدعاية "إن شئتم" يقوم بين الفينة والاخرى بعمل دعاية تخويف على نمط جوزيف غبلز، والتي فيها كل شيء باستثناء الدعوة الواضح لقتل نشطاء المنظمة. "أدلة" متوفرة بكثرة للمحرضين – بدءً من الادعاء القائل إن المنظمة تحصل على الاموال من دول معادية، مرورا بالادعاء أن المنظمة تعطي المواد لمؤيدي مقاطعة اسرائيل وانتهاء بالقول إن المنظمة تبيع السلاح لحماس.

يمكن الموافقة أو الاعتراض على النضال الذي تديره "نخطم الصمت"، لكن الطموح لارضاء المقاومة الاجماعية تجاهها يعني عدم الفهم المتطرف للفكرة الديمقراطية والتعددية الاكاديمية. فما الذي يخدمه ذلك الاجماع الذي تحافظ عليه البروفيسورة كارمي؟ سياسة الحكومة ورفض انتقاد الاحتلال ووسم المعارضين كمن لا ينتمون للمجموع والدعوة للوقوف وراء القيادة في حربها ضد الاعداء الداخليين (قائد مشهور سبق وقال إن "كل فكرة وكل مثال وكل رأي يجب أن يخدم هذا الهدف، انطلاقا من هذه الرؤيا يجب فحص كل شيء، هل سيخدم الهدف أم يجب رفضه" (ادولف هتلر، "كفاحي").

أحد الاسئلة التي تم طرحها في النقاش في مؤتمر القدس كان مدى صلة الاهتمام بموضوع منظمات حقوق الانسان في اسرائيل مع موضوع المؤتمر – بحث الكارثة وابادة شعب. إذا يجب أن نتذكر أن كتاب رفائيل لامكين الهام من 1944 والذي وضع فيه مفهوم ابادة شعب، تطرق الى ظاهرة الاحتلال الالماني في اوروبا. ووجد لامكين علاقة قوية بين قمع الجماعات العرقية والقومية من خلال فرض الاحتلال العنيف وبين تدهور هذا القمع في ظروف غير مخطط لها من اجل التطهير العرقي وابادة شعب. اضافة الى ذلك يجب علينا تذكر أن كل طريقة سياسية قمعية في القرن العشرين بدأت طريقها في تحديد العدو الداخلي قبل أن توجه جهدها للقضاء على العدو الخارجي. هكذا فعل الفاشيون والبلشفيون والنازيون. الحملة الفظة والدموية لمعسكرات الابادة بدأت بتشويه وملاحقة اولئك الذين كانوا خارج ما اعتبر "اجماعا".