عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 22 حزيران 2016

حول التوثيق التراثي والهوية الفلسطينية

جهاد احمد صالح

اسمحوا لي أن استعير عنوان دراسة الدكتور شريف كناعنة "من نسي قديمه....تاه" لأقدّم هذه الرؤية حول توثيق التراث الشعبي، للتعرف على الهوية الوطنية، وهما صنوان لا فكاك بينهما، فمن يريد أن يعرف هويته عليه الغوص في تراثه الشعبي، قديمة وجديدة.

فالتراث الشعبي، وتوثيقه، هو الأهم في إثبات عمق تاريخ وأصالة هذا الشعب، وحسب رأي الدكتور "غالي شكري" فالتراث ليس وحدة ثقافة منفصلة إنما هو شريان حي متصل بوعي أو بغير وعي في دمائنا، والتراث ليس هو الطابع أو الخصائص القومية، إنما هو أشمل من ذلك وأعمق" والتراث ليس مرحلة تاريخية بعينها، إنه سابق على التكوين القومي، وتالٍ له في نفس الوقت، فهو جماع التاريخ المادي والمعنوي للأمة منذ أقدم العصور حتى الآن. التراث جزء من مكونات الواقع وليس دفاعاً عن موروث قديم.

ويقول الباحث والمحرر "منعم حداد" أن مجالات التراث وأشكاله وأنواعه كثيرة لا حصر لها، فهو كل ما أورثه السلف للخلف في شتى مجالات الإبداع، لكي يورثه اولئك الوارثون لمن سيأتي بعدهم. فيمكننا الحديث عن انواع التراث المرتبط بالأرض، والتراث الروحي والفكري والمجتمع والقواعد والسلوكيات والأخلاقيات التي تنظم شؤونه الداخلية وعلاقاته بالمجتمعات الأخرى".

والتراث آيضاً، هو اسلوب حياة وممارسة يومية لا تنتهي ولا تقف عند حد، هو جزء من ذاتنا وكياننا ومن فراغنا ومن عهودنا وأزيائنا وطعامنا ومسكننا وأثاثه. هو علاقاتنا الاجتماعية والأسرية، والتراث كائن حي يرافقنا وينمو بنا ويتطور معنا على مدار الحياة من الولادة وحتى الوفاة لنورثه لأولادنا ولأولادهم من بعدهم.

وباختصار فالتعريف العلمي للتراث هو حصيلة الخلق والإبداع التي ورثناها من الأجيال السابقة ونورثها للأجيال اللاحقة تحرسها وتطورها وترعاها.

ولما لهذا التراث من اهمية قصوى لتمسك الشعب العربي بتراثه، بالنسبة للدول الحريصة على مستقبلها المادي والروحي، إلاّ أنه بالنسبة للعرب الفلسطينيين يعتبر مسألة حياة أو موت على صعيد وجودهم البشري، وهويتهم الوطنية. فلقد تواكب بروز مسألة الهوية الفلسطينية منذ اليوم الأول الذي قرر فيه المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897 إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، يحلّون محل سكانها العرب الفلسطينيين بكافة حقوقهم التاريخية والحضارة والسياسية والاجتماعية، أي تغيير التراث الذي سطّره الفلسطينيين وتوارثوه أباً عن جد، عبر عصور ممتدة في التاريخ.

جاءت الصهيونية إلى فلسطين، وفي ذهنها رواية واحدة، أن هذه الأرض خالية من السكان، وما فيها من عرب ليسوا سوى بعض الرحّل الذين لا يستقرون في مكان، ولا يقيمون حضارة. لا نريد في هذا المجال الضيق من هذه القراءة، أن نفند إدعاءات الصهيونية والوكالة اليهودية حول هذا الشأن، فليس وحدنا من يدرك بطلان هذه الرواية، بل أن معظم الدارسين والمعنيين في تتبع الحقيقة في جميع أنحاء العالم يدركون ذلك. لكننا بعد قيام دولة إسرائيل عام 1948 وقيام النكبة الفلسطينية، أصبح يلازمنا هوس ضياع هويتنا الموحدة، فالأرض باقية رغم إجراءات الاحتلال ومصادرتها، ومحاولات الإبادة التي تعرّض ويتعرض لها الفلسطينيون حيث يستعصي إبادة ما يقارب من ثمانية ملايين في العالم، الخطر على بقاء الفلسطينيين اليوم قد يأتي من ضياع الذاكرة الفلسطينية المشتركة وذوبان هويتهم الموحدة.

فقد حاولت السلطات الصهيونية طمس هذا التراث بطريقة أو أخرى، أو ادعائه لنفسها، أو غيرها من الوسائل ومنها: مصادرة الأراضي وإقامة مستوطنات عليها، وهدم المباني وخاصة المباني الأثرية التي مرّ عليها مئات السنين وتُجسّد التراث العربي، وقد تعمّدت بشكل خاص هدم وإلغاء المزارات المقدسة، وهدم الأحياء العربية في القرى والمدن (هدم 416 قرية عربية) وهدم حارة المغاربة في القدس، وتغيير أسماء الشوارع والساحات والآثار، وضرب الصناعات المحلية، وخاصة صناعات الأرض المقدسة وبيت لحم وبيت ساحور وبيت جالا، ووضع العراقيل أمام السياح الأجانب من شرائها تحت ذرائع شتىّ، وكذلك مصادرة عروبة الأزياء الشعبية والأكلات الشعبية وادعائها لنفسها.

وإذا ما أضيف ذلك إلى مجال التراث الفكري والديني والفني، حيث تحاول الصهيونية طمس هذا التراث من أساسه، فكم من شاعر وأديب بكى أمام مكتبته التي أحرقتها القوات الاسرائيلية منذ قيام دولة إسرائيل، وكم مكتبة خاصة صودرت محتوياتها، وكم مقرات جريدة ومجلة ازيلت عن بكرة أبيها.

أمام هذه المعضلة التي يتعرض لها الانسان الفلسطيني، فإن الدعوات ما زالت مستمرة للتمسك بالتراث والاستهداء بنوره والبناء على أسسه، ولكن السؤال الذي يتبادر إلينا في ذلك، ما الذي يوحّد الشعب الفلسطيني المقيم في الوطن، والمشتت، والمشرد في الجوار، وبلاد العالم وقاراته.

 إنها الثقافة، ثقافته المكتوبة هي التي تصون وحدته وتعمقها وتحرسها.

 كيف نحوّل الحنين إلى الوطن إلى ثقافة مكتوبة تعبر عن الجميع. كيف نحول ثقافة السجون إلى ثقافة مكتوبة، وكل بيت معرض لاعتقال أحد أبنائه، بل كل واحد فينا معرض للاعتقال، بعيداً عن الذاتية والنرجسية.

كيف نحوّل ثقافة الثورة إلى فعل مقاوم في جميع مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بعيداً عن البطولة.

الثقافة المكتوبة، واجب وطني وقومي وإنساني للحفاظ على الذاكرة الفلسطينية، يحرص كل صاحب فكر وضمير، وكل قادر بالمعنى المادي والفكري والإبداعي لخوض غمار معاركها، كل في مجال عمله وفكره، لتكون خير معين على حفظ الذاكرة الجماعية واستمرار الهوية الوطنية الموحدة، وهذا الإحياء بحد ذاته مرادف للتحرر والحرية والاستقلال.

وفي مجال بحثنا "ابداعات انتصرت على القيد" الذي يعده نادي الأسير الفلسطيني (مركز أبو جهاد) يهمنا أن نؤكد، أن مسألة الأسرى، وتوثيق تجربتهم، تعد من أولويات الاهتمام الفلسطيني في هذه المرحلة التي خفّت فيها فعاليات الثورة بعد مرحلة "أوسلو" من ناحية، وتصاعد عمليات الأسر والاعتقال التي تمارسه قوات الاحتلال الصهيونية منذ نكبة عام 1948 وحتى يومنا هذا، بل واستمرار هذه المواجهة في المستقبل.

لا نريد هنا، التعرف على أهداف المحتل الإسرائيلي من وراء الإمعان في سياسة الإعتقال تحت شعارات مختلفة، بل توثيق هذه السياسة  وما تتركه في وجدان وضمير أبناء شعبنا، الذي طالته سياسة المواجهة هذه، والذي ستطاله  في أي وقت من المستقبل، بحيث تبدو قدراً محكم الصنع، وضعه العدو للنيل من عزيمة شعبنا، ورغبته في التحرر والحرية والاستقلال، بحيث يبدو أن توثيقه جزء من حفظ الذاكرة الجماعية واستمرار الهوية الوطنية.

في هذا الجانب، لا بد وأن نضع لهذا التوثيق أصوله وأهدافه ليؤدي غرضه في الذاكرة والهوية معاً، ونشير إلى المعطيات التالية:

تحويل ثقافة السجون إلى ثقافة مكتوبة، بمعناها التاريخي التسجيلي والإبداعي بعيداً عن الذاتية، وتحويلها إلى فعل جماعي يشارك المعتقلون في صياغته.
الابتعاد عن الناحية الإعلامية، التي قد تستخدمها الفصائل "أحياناً" والتركيز على صدقيتها من جميع النواحي: دواعي الاعتقال، والتعذيب والصمود، والحياة اليومية التي يواجهها المعتقلون.
مركزة هذا التوثيق والاحتفاظ به بعيداً عن محاولات الاحتلال للسيطرة عليه، وصون وحدته وتعمقها وحراسة أهدافها.
تحويل هذا التوثيق إلى ذاكرة وإرث يتم زرعه في وجدان أبناء شعبنا بدءاً من طفولتهم المبكرة، وحتى عندما يسلّمون حياتهم لأبنائهم من بعدهم.
تخصيص عدد من الباحثين والمختصين لتسجيل تجربة المعتقلين الذين لم يحالفهم الحظ بكتابة تجربتهم، ووضع هذه التجربة في سياق التجربة العامة لإبداع السجون والاعتقال.

هكذا، نكون قد وضعنا، بالمعنى المادي والفكري والإبداعي في تجربة الاعتقال، لخوض غمار معاركنا، ضد عدونا وأهدافه، دفاعاً عن هويتنا الموحدة المرادفة للاستقلال بكل معنى الكلمة.