عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 20 حزيران 2016

جدارية سهير الداوود

د.مصطفى الضبع

"أول الألف آخر الياء"

في ديوانها " أول الألف آخر الياء " تتغيا الشاعرة سهير الداود رصد عالم بحجم الكون وحميمية بحجم الحب ، ومشاعر إنسانية بقدر الحياة ، فما بين الألف (في وقوفها المستقيم ) والياء (في انبساطها المحدد ) ينفتح الأفق أمام المتلقي لقراءة مساحات تخص الإنسان المختزل في الأنثى الممتلكة قدرة التعبير عن الفعل والرجل الذي يبدو متلقيا غير فاعل على مستوى دفع الشاعرة للإبداع ، محكي عن فعله على مستوى النص فالشاعرة تدخله دائرة الفعل الشعري عبر الخطاب المحدد بالإهداء "إليك أولا ، ثانيا ،ثالثا ، رابعا ، وبعدك الفراغ  " حيث تقيم الشاعرة دائرة حركتها الرباعية قبل الفراغ بإهداءات تقيم هذه الدوائر التي من شأنها أن تجعل المخاطب فاصلا بينها وبين الفراغ ، ومباعدا بينهما عبر حالاته الرباعية ، المتعددة ، المتوالية .

ثم يأتي الإعلان الشعري الذي تطرحه الشاعرة ليكون محددا لفضاء الحركة ، ومرسيا الفعل الشعري في بيئته المناسبة حين تحدد فعل إقامتها / علاقتها بالآخر منتقلة بالخطاب من الرجل إلى المتلقي ، عندها تقدم للمتلقي مايفيد الموضع وما يجعل الآخر في حالة مغايرة هي حالة الغياب (عبر ضمير الغائب الأول في النص ) ومنتقلة من الحرف "إلى" في دلالته للتوجه إلى الحرف "على " في دلالته على الاستقرار :

"على أطرافِ مدينتِهِ

وبقايا مدينتي

أقَمْنَا

                                    كمَا ينكسرُ الحالمون"

جاعلة المدينة – عبر سبيكة المضاف والمضاف إليه - منتمية إليه لا منتميا هو إليها  ، وراسمة صورة الإقامة "كما ينكسر الحالمون " ملتقطة اللحظة في حال شجنها ، ومختزلة العالم في شخصين ، هي المتحركة إليه حاملة مدينتها وهو المتحرك لأطراف مدينته (لك أن ترى العلامة المكانية في طباعها المجازي الذي يجعل من المدينة عالما خاصا يشار إليه دون رؤية تفاصيله التي لا تتكشف سوى لمن يكابدون العشق منتمين للحالة ذاتها .

يطرح فعل الإقامة دلالاته المتعددة بوصفه فعلا يتأسس على المشاركة بين ذاتين (معتمدا الضمير نا الفاعلين الدال على ذلك )، ومن أهمها :

الدلالة على التقارب والتفاهم عبر المشاركة في الفعل .
ماضوية الفعل إشارة لتمامه وترسخه.
كونه الفعل الأول الوارد بهذه الصيغة مستهلا صيغة هي الأكثر تكرارا على مستوى الديوان ( المفردة + نا الفاعلين) تلك الصيغة المتكررة مايزيد على المائة مرة .
قدرة الحب على منح العاشقين عوامل الاستقرار الذاتي .
كون الفعل مستهل سردية الديوان حين تطرح تجربة الإنسان في علاقته بالكون من فيه وما فيه ، حيث الفعل " أقمنا " يؤسس – بوصفه يحيل إلى مكان الإقامة – لانفتاح تفاصيل السرد التالية : الحدث (مدار الديوان كاملا ) – الشخصيات (مختزلة في ذات الآخر ) – الزمان (مساحة غير محددة تماما على المستوى الكلي وتظهر تفاصيلها على المستوى الجزئي : ليل – نهار – مساء ، وغيرها مما يحدد الفضاء الزماني لوقوع حدث ما ، ويطرح التفاصيل التالية في دلالتها على وجود مكان في الخلفية يكون مبررا لوجود الأشياء والتفاصيل ، فلا شمعة ولا رائحة ولا وطن ولا قمر  بدون وجود مكان على المستوى المتعين أولا وعلى المستوى المجازي ثانيا .

بعدها تتوالى الأفعال وفق الصيغة ذاتها على مدار الديوان  كاملا من مثل : تواطأنا – يعرفنا – تكفينا – فينا – حولنا - بيننا حتى تأتي الصيغة الأخيرة :

"إن أتى العالم كلُّه هنا

ماذا يترك لنا؟"

وما بين الضمير الأول في الفعل " أقمنا " حتى الضمير الأخير في " لنا " يقوم العالم وتتحرك التفاصيل وترصد الشاعرة الروح وهي تتواشج مع القلب تلتقيه أحيانا وتخالفه أخرى .

وعبر التفاصيل تتشكل لغة الديوان  و صوره وخطوط اتصاله بالعالم ، حيث لا مكان محدد ولا زمن يمكن الإمساك به ، فقط هي الروح تفرد نفسها على مساحة الكون .

 

تستهل الشاعرة طرح مجال شاعريتها بالفعل الدال على التغيير وخلخلة ماهو سائد من مواضعات :

" سأقلعُ الوترَ

يدي بلا جرحٍ

وأتسلّقُ لهيبَ الشمعةِ على عتبةِ الليل..

جئتُكَ مِن بابِ الثلجِ الذي تواطأنا عليه

ومِن سراديبِ الغياب،

ومتاهتي"

 

والفعل " سأقلع " يتضام معه الفعل "أتسلق"  مما يعني تراتبية الفعلين ، إذ يكون الثاني منبنيا على الأول والفعلان ممتدا الدلالة بامتداد التأثير (الفعلان متعديان ) لكل منهما مفعوله المتجاوز حدود مجال حركته .

الديوان قصيدة واحدة جدارية الطابع تجمع مئات التفاصيل التي تجعل منها ملحمة الذات في عصر مغاير لعصور ملاحم الأمم ، ملحمة الروح في توقها / صراعها / عزلتها / علاقتها بالآخر المميز ، ذلك الخطاب المتضمن مساحات البوح ، والكاشف عن مساحات العناية بالعالم في تفاصيله .

الجدارية في تكوينها تتشكل من مجموعة تفاصيل تخص الكون والإنسان والوجود ، وتطرح قضايا شديدة الإنسانية تتبلور عبر العلاقة بين الأنوثة والذكورة ، الإنسان والعالم ، مصطبغة بألوان الحياة والموت والوجود والشوق والحنين والحب وجميعها مفردات تطرحها تجربة الشاعرة في ديوانها السابق" أنت للبيلسان ند "  وتمتد حتى هذا الديوان مؤكدة على مساحة شاعرية التجربة ، وعلى ترسيخها مجموعة التفاصيل في دلالتها على العالم أولا وعلى رؤيتها له ثانيا .

الجدارية صيغة متطورة من المعلقة في سماتهما المشتركة : تنوع الألوان وتكرارها - شعبية العناصر وتداولها – تحقيق الإمتاع -  لها ظاهر (لونى وتشكيلى ) ، و باطن (دلالى رمزي)- بصرية الصور - تمثيلها للقصيدة فى عصرها ، أو تمثيلها للشعر فى زمنها، إذ تعبر عن سمات القصيدة فى عصرها – حضور المرأة وفق مواصفات زمنها وتمثيلها لنشاطها الحيوي ودورها الحياتي .

غير أن الجدارية هنا تصدر صوت المرأة بوصفها الراوية لا المحكي عنها ، المشاركة في الأحداث لا المعلنة صمتها لصالح الرجل ، إنها القوة المناهضة أو على الأقل القوة الند المعبرة عن نفسها ، متخذة من الرجل نموذجا مغايرا لا يتوقف عند كونه الحبيب المتحكم في أمور العلاقة وإنما المخاطب بضمير منفصل (أنت ) الذي تكرر (36 مرة ) تعبيرا عن طريقة تحمل معنى الندية في الخطاب ،  دون ربطه الدائم بالراوية عبر ضمير المتكلم (ياء المتكلم ) لذا غابت عن لغة الخطاب مفردات تقليدية كانت مدار التعبير عن الخطاب التقليدي القديم (حبيبي – سيدي – محبوي وغيرها ، والذات حين تعلن المشابهة تسارع بنفيها في صورة واحدة :

 

لأنّي أشْبِهُك

صرتُ أخافُ أنْ يسترسلَ الألم كالرَّمل

وأنتَ لا تهدي إلاّ الغياب

لأنّي لا أشْبِهُك، أخاف أيضاً،

فقلبي الأبله يخطئُ حَدْسَهُ صوبَ مناراتك

حتى إنَّه تفاجأ يومَ جَرَحْتَهُ ولم تَسِلْ منه نقطةَ دم؛

لأنّك مثلي؛ نُخطئُ كلَّ ليلةٍ ونتعثّر بالوهم

وبعد ليلةٍ وأخرى نَصنعُ قُبلةً لم يَرَهَا حتى العشّاق

مما يجعلنا نرى الحالة ونقيضها مما يجعل العلاقة قائمة طوال الوقت على الهدم والبناء ، وكون الذات مجابهة للأخر فإن عملية الهدم والبناء تشير إلى نوع من الصراع بين قوتين تلتقيان وتفترقان في شكل دائم من المجابهة .

 

وكون الديوان يقام على قصيدة واحدة يجعله مدارا لقراءة لا تقوم على تجزئة الصور بقدر ما تقوم على تجميع شتاتها وقراءة ما بين السطور وما وراءها ويجعل العلامات اللغوية تقوم بوظيفتها معتمدة على أسلوبين :

الإفراد : حيث المفردة تقوم بوظيفتها لمجرد ذكرها مرة واحدة " الشمس " مثلا .

-        التكرار : حيث المفردة تتكرر مرتين : "قبلة" ، أو ثلاث مرات : " النهار" و " الصحراء " و" الماء " و " النهار " ، أو أربع مرات : " القمر "و "البحر " و " الروح " ،  أو خمس مرات : " الياسمين " ويستمر التدرج حتى نصل إلى أعلى معدلاته أربع عشرة مرة :" الليل " ، ويصل إلى ذروته  سبع عشرة مرة : " القلب " مما يضعهما في سياق ثنائية نادرة تقدم طرحين شديدي الدلالة ، أولهما : يعتمد على تشابه الثنائية (القلب – الليل ) مع الثنائية البؤرية في الديوان (الأنثى – الرجل ) حيث تتطابق صفات الأنثى مع الليل بكل ما يحمل من دلالات الستر والعفة والغموض والحميمية ، وصفات الرجل مع القلب بكل ما تحمله الشاعرة من اهتمام و ما تقدمه له من عطاء ، فالرجل هو المشارك أنثاه في الانكسار:

"ماذا يلبسُ القلبُ المكسورُ حين يَقِفُ على رجْلَيه ويتدلّى" والسؤال مكاشفة أولى للقلب / الرجل أو العكس ، وهو مدار فعل التطهر الذي تمارسه الأنثى عليه ليكون في أحسن حالاته :

"كنتُ أغسلُ هذا القلب بالوضوء " مع إمكانية كون القلب قلب الأنثى وهو ما يجعل من محاولة الأنثى التطهر لصالح الرجل مما يعني أن تطهرها بالوضوء ليس مقصودا لذاته وإنما هو مقصود لغيره والشاعرة تجمع بين الاثنين :"لن أطهّر القلب ولا الإنسان.." قبل أن تفصح في المرة الأخيرة إلى العلاقة ، علاقة الرجل بالقلب وقد ضمه بين تفاصيله : يحدُث أن يكون بالقلب عاشق" جامعة بين القلب ومن يضمه .

 

ثانيهما : أن الشاعرة ابتعدت عن الثنائية حتى في تكرار الألفاظ وذلك لصالح الثنائية البؤرية هذه فلم ترد أن تشغل متلقيها بثنائيات أخرى غير الهو – الهي /الأنثى - الرجل وما ثنائية القلب – الليل إلا تشبيه أو تمثيل لثنائية الأنثى – الرجل ، تقويها ولا تنازعها سلطتها ولتظل صورة الأنثى /الرجل متصدرة المشهد ، مترددة دون منازع عبر الجدارية الشعرية التي تتكرر فيها التفاصيل البصرية ومن هذه المفردات الشمعة بوصفها واحدة من المفردات ذات التأثير في الجدارية ليس فعلها مقتصرا على بث الحرارة أو الدفء أو الضوء أو بث مجموعة من مقومات الرؤية البصرية ولكنها تمنح اللحظة رومانسيتها ، وتشير إلى حالة من السلام القائم بين شخصين فالشمعة ، مبصر يساعد البصر ، وبصر يمدد قدرة المبصر .

دائرية الياسمين:

 

في الجدارية تتكرر التفاصيل والألوان لتشكل قواما جماليا تتبادل فيه الأشياء فعلها وتأثيرها ووجودها ، ومنها الياسمين بوصفه علامة تليق بالجو الحميم والعلاقة المؤسسة على الحب ، يحضر الياسمين خمس مرات ذات طابع فردي يناسب الدائرية ، ويطرح نفسه في بداية الصورة وفي نهايتها وما بينهما تتشكل الصور والتفاصيل التي تتداخل فيها عدة مفردات :

 

"الياسمين يكذب لو وقف شاهداً

والبنفسج لو تمايلَ ليس مكسوراً

لم يحصل أن التقينا عناقاً

أو نزَفْنا التقاءً..

كنتَ هناك خلف أفق الروح

وأنا على مرمى قبلة

والليل يكذب

والفجر لم يسرقنا لجزيرة

والبحر يتلوّن من عبير ثوبك

والأشواك تزاحمُ الياسمين.."

 

ليتوزع تأثير الياسمين بفعل تأثير البحر ويكفي أن تضم الصورة : الياسمين – البنفسج – عناق الاثنين ( في عمق الصورة ) – الروح – الليل – البحر – العبير ، يكفي أن تجتمع جميعها لتبث جماليات تليق بالصورة .

ويكفي أن تقرأ الديوان بوصفه قصيدة جدارية تتضام فيها الألوان والأشواق والروح لتكتشف أننا إزاء تجربة تليق بشاعرة تعرف كيف تقف في منطقة خاصة بين الياسمين والبنفسج .