عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 31 أيار 2016

الحذر.. يغيرون النخبة

هآرتس- بقلم: عودة بشارات

كانت المرحومة أمي تقول: "من ليس له حظ لا يتعب ولا يشقى". وكان أحد الاصدقاء يهمس في أذني: "إن هذا ليس وقتنا". وعلى ضوء هذه الاقوال المشجعة كنت أتساءل عن مصير من يأتي في زمن غير زمانه. الحياة تضيع سدى حتى لو عاش مئة سنة.

وها أنا فتحت عيوني وحصلت على لقب لاجيء. وكما هو معروف فان اللجوء الفلسطيني ينتقل بالميراث. في الدول العربية اللاجىء يتعرض للديكتاتورية والفقر، وفي الوطن هنا يفرضون علينا – بما في ذلك الذين وطئت اقدامهم الآن البلاط في مطار بن غوريون – الانفصال عن اراضينا.

على مدى سبعين سنة ونحن نقول إن الغد سيكون جيدا. وهذا الغد لا يأتي بما هو جيد. صحيح أن الفلسطينيين قد مروا بنكبة "صغيرة جدا"، أقل من مليون شخص تم طردهم من وطنهم. ولكننا نكتشف مع الوقت أن الألم الاكبر هو الألم المتدحرج. في الماضي بحثوا في اسرائيل عن انتصارات سريعة وخاطفة. هل يُحظر على الفلسطينيين أن يحلموا بنكبة سريعة وخاطفة؟.

من الجيد أن المصير قد كتب لنا اللجوء في وطننا وليس في مخيم اليرموك للاجئين في سوريا مثلا. حيث أن القتل اليومي يملأ المكان. ولكن النكبة المحببة عليّ ما زالت تتحرك وتتنفس، ليس لأنني مسمم بالنكبات بل بسبب عدوى النكبة التي ترافقني الى كل مكان.

زرنا مؤخرا معلول، وهي القرية التي طرد منها آبائي. وعلى خلفية المشهد الرائع في تل الجبل لم استطع سوى التفكير والشكوى من أن الدولة تمنعنا من العودة الى اراضينا. يهودي محترم كان هناك قال لي إن سبب الطرد يقع على أكتاف الفلسطينيين لأنهم لم يوافقوا على خطة التقسيم في 1948. وشكرته على اقواله وقلت: طردتمونا وهدمتم منازلنا وقمتم بنقلنا للعيش في اكتظاظ يشبه مخيمات اللاجئين. ويتبين في نهاية المطاف أننا من يتحمل المسؤولية.

بعد هذه النصائح الاخلاقية انفصلنا بمشاعر عميقة لأخوة الشعوب. وفكرت في قلبي أن هذا ليس وقتنا. نحن غرباء في وطننا. وفي الوقت الذي تحتفل فيه دولتنا بالاستقلال، هو اليوم الذي يصادف نكبة 20 في المئة من مواطنيها. عندما يقول رئيس حكومتنا إننا أعداء، وعندما يعدنا وزير الدفاع الجديد برفع البلطة، وعندما يرفض رئيس المعارضة بأن يظهر كمحب للعرب.

الزمن ليس زمننا. وها هم الآن يغيرون النخبة التي اعتدنا على اجحافها المريح. العرب يقولون: "تمسك بالنحس كي لا يأتيك نحس اسوأ".

تغيير النخب الاوائل حدث في 1977، الامر الذي أدى الى عملية الليطاني بعد ذلك بسنة. وبعد فترة الى حرب لبنان الاولى مع المزيد من الضحايا واللاجئين. المتوفى وورن كريستوفر الذي كان وزير الخارجية الامريكية اقترح على هيلاري كلينتون عشية تسلمها وزارة الخارجية في 2009 أن لا تخرج الى العطلة في الصيف لأن الازمات تندلع في الصيف في العالم. وها هو الصيف يقترب.

النبضة الثانية لتغيير النخب التي نشعر بمجيئها ومع نجومها من سموتريتش وحتى ليبرمان، تثير القشعريرة. اذا كانت هذه نخبة فيا ويلنا ممن هم في الاسفل. واذا كان المضطهد السابق لك يشعر أنه غريب ايضا، فان الوضع محزن وخطير. الشاعر القديم امرؤ القيس كان في بلاد سيئة عندما شعر بأن عمره قد انتهى وطلب أن يتم دفنه بجانب قبر معزول لامرأة في سفح الجبل. وقد توجه الشاعر الى المرأة في القبر قائلا: "يا جارتي نحن هنا غرباء، والغريب للغريب قريب".

قبل أن يغطينا التراب يفضل أن نتوحد، نحن الغرباء في وطننا المشترك. واذا كان الغريب للغريب قريبا بالموت، فمن الاجدر الشعور بهذا القرب ونحن ما زلنا على قيد الحياة.