مصطفى أبو سنينة... صعاليكٌ من بغدادَ ودمشقَ والقاهرة
(قصائد لصحيفة الحياة الفلسطينية)

سوريا
إِنّهم يُردِّدُونَ اسمكِ في البرلمانِ البريطاني
في صُحفِ المترو وتويتر، ونشراتِ الأَخبارِ النافقة
يردِّدُونهُ في تاريخِ هيرودوت
سوريا
سوريا
هؤلاء الاغريقُ الجُددُ
لا يُسلّمونَ أَن أَثينا التي بنيناها بكلماتنا
كانت أَثينا السوداء.
سوريا
أَمامي الكثيرُ من البحارِ لأَغرقَ فيها
وكثيرٌ من الغيومِ لأَسقيها كؤوساً مُرّةً من المطر.
وما عاد إِلا اسمُكِ يدلُّ علي
اسمُكِ الذي أَسمعهُ يخرجُ من بين أَسنانِ قراصنة ومرتزقة
ومن بين أَسنانِ هيرودوت.
رأسُ أبي العلاء المعري
يقالُ إِنَّ القضيةَ أَكبرُ من قَطْعِ رأْسي
وأَنا غَيرُ مُصدِّقٍ
فرأْسي مطلوبٌ مُنذُ الأَزل
والتاريخُ لنْ يذكُرَ سواه.
لن يذكُرَ رأْس أَبي
لأَنّهُ ليسَ برأْسِ أَعمى.
ولأَنَّ رأْسَهُ ليسَ مُفَخَّخاً بالكآبةِ
حتى يعتاد على القَطع.
قطعُ رَأْسي هو القَضية
ورأْسُ سوريا.
القنابلُ في بغداد تنفجرُ دائماً في القدس
قيلَ إِنَّ فلاحاً عراقياً أَسقَطَ مروحيةَ أَباتشي ببُندقِية الـ"بَرْنو"
في "معركةِ الحواسم".
فلاحٌ عراقيٌّ من كَربلاء، واسمه "علي عبيد منقاش".
تكرْكَبت القدسُ بهذا الخبر.
قيلَ إِنَّ الأَباتشي أَلقَتْ مناشيرَ للاستِسلام، مع أَوراقٍ نقديةٍ
من فئة الـ25 أَلف دينار.
وقيلَ إِنَّ الـ"بَرْنو" تشِيكية، صُنعت في 1924 أَوّلُ قطعةٍ منها.
من يُحبُّ صدّام حسين ومن يكرهه، صدَّقَ خبرَ التلفزيون العراقي.
حتى أَنا صَدّقت؛ وأَنا أُصغي للمَطرِ التَّعيس يتهاطلُ
دونَ أَن يسقي شجرة.
عائلتي كُلُّها صدَّقت؛ وراحت منذُ آذار 2003
تحجزُ للمَوتِ كرسياً على العشاء.
هذه القصيدةُ من أَكاذيبِ تلكَ الحرب.
كاذبةٌ هذهِ الحُروفُ والكلمات
وكاذبٌ ذلكَ الفلاحُ العراقي
لأَنَّ
للشهداءِ دائماً وجهَ الله
ولأَنَّ
القنابلَ في بغداد تنفجرُ دائماً في القدس.
من دفاتر خليل السكاكيني
-1-
دَعنا نتَّفِقُ بأَنَّ يوميَّاتكَ التي نُشِرت باسمِكَ
هي يومياتي التي كتبتُها قبلَ مائةِ عام.
واترُكْنا نضحكُ أَيضاً
على قرائِنِ سرقتكَ غَيرِ المُتقَنة:
فالغُربة التي لَوَّعتكَ في نيويورك
قاسَيتُ مِثلها في 6 أُكتوبر
وحبيبتُكَ سُلطانة التي لمْ تُجب سِوى مرَّةٍ على رسائِلكَ
لمْ تُجبْ كُلياً على اتصالاتي
وبينما كنتُ أَلعنُ... كنتَ تبكي.
نيتشه زادَكَ حَماسةً
سُرعَان ما دفنْتَها في جُيوبكَ المُفْلِسة
وزادَني توفيق الحكيم كآبة.
ثلجُ نيويورك كانَ من نصيبِكَ
ومن نصيبي كانت صحراءُ مصر،
ناهيكَ أَنَّ كِلانا وُلِدَ في القدس
وهي قرينةٌ أُخرى على هذهِ السَّرقة!
-2-
عرفتكَ تُعرّبُ التراتيلَ اليونانية
ورأْسُ نرجيلتكَ فارغٌ من التُنباكِ عَشيَّةَ الحرب الأُولى.
أَحقَّاً سَئِمتَ سماءَ هذهِ الكنيسة
وأَزيزَ صَلواتِ المستوطنين في حَيِّ المغاربة؟
لِتَعُبَّ الخمرةَ إذاً
ولتُرتِّل عند هذا المذبح:
"صَبورٌ، ولو لمْ تبقَ مِنّي بقيّةٌ
قؤولٌ، ولو أَنَّ السُيوفَ جوابُ"
ولتُغنّي وأَنتَ تَذرَعُ دربَ الآلام
"ما هَمُّوني غير الرجال اللي ضاعو"
وكأَنّكَ مِنْ "ناس الغيوان
-3-
إِنَّني أَقلُّ منكَ حظّاً، ولستُ أَكثرَ منكَ كآبة.
كآبتُكَ تَرفٌ لا أَقدِرُ عليه، رغم أَنَّها تسليةُ هذا الزمن.
الكآبةُ ليست للهوِ وللعَبث، وهي تسخرُ دائماً ممّن لا يستحقُّها.
كانَ لديكَ محطةٌ وقطارٌ ويافا،
وصعاليكٌ من بغدادَ ودمشقَ والقاهرة.
كانَ لديكَ أَشجارُ سَرْوٍ وكرومُ عِنَب.
وكانتْ أَبوابُ القُدسِ أَوسعَ من أَبوابِ الجنّة.
كانَ لديكَ كلُّ هذا، وأَنتَ تُردِّدُ "أَنا لا شيء...".
فماذا أَبقَيْتَ لي لأُردِّدَ؟
كُنتَ شَبَحاً كئيباً في تلكَ الغُرفةِ المظلمةِ في يافا
وها أَنتَ أَخيراً شَبحٌ في هذهِ الشوارع.
تسيرُ ولا يلتفتُ لخُطوتِكَ أَحد.
تَتنفَّسُ لكِنَّكَ تختنِقُ بالهواء.
توَجَّبَ عليكَ الانتظارُ لتَستحِقَّ الكآبة،
وبيتُكَ نهبٌ للجنودِ الصهاينة.
دونَ زوجةٍ، دونَ ولد.
تصدأُ على شارعِ غزّة
وأَنتَ تسيرُ صوبَ الصحراء.
كُنتَ مَحظوظاً وكفى،
وكان عليكَ أَن تُوفِّر كآبتك.
لو تسمَعُني الآن
فأَنا بلا صعاليكٍ
بلا يافا
وبلا كُرومِ عنب،
ووسَطَ هذا الظلام
لا أُردِّدُ كَلماتِك.
قصائد من مجموعة شعرية بعنوان "غيمةٌ سوداء في نهايةِ السطْر"، تصدر قريباً عن دار الأهلية للنشر والتوزيع في عمان.
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين