عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 23 أيار 2016

إضاءة على مؤلفات " شيخة حليوي"

ثورة حوامدة

هل العتمة في حضرة النساء حرية؟

الأصل اللغوي لعنوان المجموعة القصصية "سيدات العتمة" للكاتبة الفلسطينية "شيخة حليوي" الصادرة عن دار فضاءات لعام2015م، يُظهر الربط الواضح بين المضمون المتشابه/المتباعد للقصص الستة عشر التي تشكلت منها المجموعة، وبين البناء القصصي بأسلوبه السردي. اللغة المرنة في مجمل القصص عامل رئيسي ليتشكَّل العمل برؤية أعمق و تفاصيل أكثر دقة وموضوعية. مضافا إلى ذلك التجربة الذاتية الشخصية للكاتبة، بشخصوها الحقيقيين، والتي أضافت للنصوص قدرا من الواقعية السريالية، فليست النساء بمعزل عن الحب، الموسيقى، الرجال، الترحال ما دمن راشدات عقل، بالغات قلب، يحلمن ويحملن نظرة حالمة بالكينونة الذاتية.

السيدات وهي الجمع لكلمة سيدة أو امرأة، والعتمة جمع عتمات. التغلغل الواضح بين المرأة والعتمة يظهر بشكل خاص في محيط نسوي قصصه رغم تباعدها إلا أنها تتقارب في العتمة الواحدة والوجع الواحد، والنهاية الهزلية غير المعنونة برقم. هذا العدد الكبير من النساء الجميلات المتعطشات للحب والمتسلقات على أملٍ يخفي تعاليم قروية/بدوية هشّة في قوتها وقوية في أعراف رجالاتها_ حسب ما ورد في قصة "الحب كلو حبيتو فيك"_.  والواضح هنا أن العتمة المنزوية بها أحلامهن وسميائية طقوسهن الأنثوية ما هي إلا انعدام الرؤية الواحدة المتمخضة عن أجيال نسوية، تعيش على بقعة ترث ما ترث من العاهات والتجاعيد.  فهل العادات مظلمة؟ وهل هي الحيز المفتوح على الفراغ النسوي/الأنثوي؟ وهل تثبت الذكورة في هذا المتسع التقليدي الضيق المظلم؟ 

القصة التي حملت اسم "حيفا اغتالت جديلتي"، لم تكن حيفا فيها أكبر من مقص حلاّق يجز شَعر الطفولة/الطفلة بمعتقدات بدوية ضحلة، ليست الأنثى بتفاوت مراحلها العمرية بمعزل عن المكان وطرائق التفكير المغلفة بالأعراف القديمة "هياتها جدولتك. قالها الحلاق بشيء من الإعجاب واللهفة. تهاوت على الأرض ومقصه يفاخر بنصر ذكوري آخر" ص9.  أما فيما يتعلق بالموروث الشرقي في صيغته البدوية فهو الأكثر تعقيدا في التطبيق والمعالجة، معاكسا تماما لما في بيئة المدن من تفتح وتداخلات، ومتخوفا مما يتوافد منه "شنو؟ بنتش وِدها تسوي مثل بنات المِدِن. قالها أحد أخوالي وهو يحذر أمي من فتنة قادمة".  مجتمعيا في تلك الأمكنة التي تظللها الأعراف المحددة والتعاليم التي لا يمكن تجاوزها، يتعامل الأهل مع الأبناء وفق لتلك القوانين العُرفية، والنساء المتحجبات بالرجولة العائلية في أشكالها الظاهرة بوضوح على هيئة الزوج والأخ والأب، ما هن إلا أنموذجا للهشاشة المعجونة بالخنوع والمتمخض عنه أجيال أخرى منكسرة فكريا ومجتمعيا. في هذا الإطار الذي تصبح العائلة مربط فرس لتجويف مقعر لمتعاكسات داخلية، يكون التطبيق الفعلي موسوما في مجمله بالرفض في القبول الذاتي الداخلي مطبقا في الظاهر وأمام الأعين العشائرية .

المجموعة القصصية التي جاءت في100 صفحة، هي أشبه بخليط عضوي، فيها الطفلة التي تخجل من شعيرات نمت على أرجلها، والمرأة التي تخاف الحب الممنوع في قرية "أم الزينات" و المصرح به في أغاني "أم كلثوم"، والعاشقة التي تركل بحر يافا بعيدا خوفا من غوايته، وهي  التي لا يمكنها الإجابة على أبسط الأسئلة الذكورية، مما يتيح ذلك للقارئ أن يشاهد الواجهة النسوية الزجاجية الشفافة والمهشمة في نفس الوقت، والذي ينتج عن هذا الضعف بذور لقيم مغروسة في تربة تتشابه بها المعتقدات والحدود، منتجة لأجيال متلعثمة بين الممكن والمستحيل، بين المسموح والمرغوب. يوازي ذلك النموذج الهَرِم المقابل للطفولة، الحالم دوما بعودة خالية من القيود، تلك التي تصارع العقل بالمنطق فيجيب المنطق بالعُرف المحبوك بتقليدية بائسة.             

ثمة فصولٌ يكون فيها الطيران بلا أجنحة .

هي فصول التحديق في الذات المحلقة في صور غائبة والمتوارية خلف الباب خوفا من هبة تطيح بالأغصان والأجنحة، تُحْدِث بالنفس ما تُحدث، مستندة إلى التجارب الخاصة في إطار أشمل وأوسع بلا تأطير مسبق، وبلا تخوفات مرحلية للزمان والمكان. الصور تلك التي تشكلت منها النصوص في كتاب "خارج الفصول تعلمت الطيران" للكاتبة "حليوي" إصدارات الدار الأهلية 2016م، مشغولة بسنارة من جنون، شراسة،عنفوان أنثوي،تلاحم، تصادم، تفريغ، تطويع. يخال للمار من حواشي الحرف أن الطريق بين السطور ليست طويلة، بالقدر الذي تتوقف فيه مطولا فيها عند كل جزئية، مطلقا العنان لأنفاسك وحواسك. تتمة لتلك الصور التي جاءت فيها الذات المسكونة والمعجونة بالشتاءات، وبالوطن الغريب، وبالحنين والطين على اتساع 123 صفحة.

 حملت النصوص عناوين رئيسية مستقلة ومختلفة "نصوص المكان" و"نصوص النساء" و"نصوص الكتابة" ونصوص الذات" و"نصوص العائلة" يتفرع تحت العناوين تلك عناوين أخرى. جاءت المسميات بها على درجات قرب موحية بالتفاصيل ومتوغلة في العمق "يعنيني أن أتذكر لماذا كنت سأغرق فيه، ولماذا لم أغرق" ص11/نصوص المكان. النهر الذي يجري بلا توقف، تجتاحه حالة من الركود والتفحص في الوجوه التي تلازمه، سواء المارين من بعيد والقريبين في بعدهم عنه. هذا مدخل لتساؤل ومداخل أخرى متوطدة في شكل المستوطنة القريبة المقابلة، وفي شكل القرية المرتفعة في سقوطها المستمر، فثمة سقوط لا يتوقف، يحاول أن يؤكد على مدى استمراريته الدائمة.

النساء اللواتي يقضين حيواتهن في الطبخ والتنظيف والممارسات الروتينية للحياة، ليست الأدوار التقليدية الموكلة لهن أكثر من وسيلة لثبيت الدور البيتي أكثر وتحريم التطلع لما هو أبعد أو خارج النافذة، سيكون الرسوب والفشل نتيجة مبكرة "تعلمت من نساء العائلة كيف أشم جيدا رائحة الغسيل النظيف ورائحة زيت الزيتون، في مرحلة ما اخترت تخصصا أقل ألما، ورسبت" ص39/ نصوص النساء.