عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 18 أيار 2016

المسيرة العسكرية.. تذكر الموت يا قيصر

يديعوت - بقلم: يرون لندن

يشتاق نتنياهو لمسيرات الجيش الاسرائيلي. يوم الاستقلال صار دونها. فقد انتهجت مع قيام الدولة وتوقفت في 1973. فقد تبين الجيش ان اجراءها باهظ الثمن جدا وانها تشوش نشاطه الجاري. مناحم بيغن، رجل البهاء والمراسم، اراد استئنافها، ولكن الجيش أخافه. أنا أتفهم تمنيات نتنياهو. كما ان قلبي ينسق وتيرة دقاته مع دقات الطبول، وأنا ايضا اتأثر لمشهد طوابير الجنود الذين يسيرون في الصفوف، بعزة، بخطى منسقة، ترتفع اطراف اقدامهم لمستوى موحد وركبهم تصل بصدقة الى ارتفاع منتصف المتن. انا ايضا احب آلات الحرب، أتخيل مدرعات تتقدم، مدافع تطلق اللهيب وطائرات تصفر من فوق، تلقي القنابل على خطوط العدو البعيدة. أنا ايضا طفل. أنا أيضا تسليت بالجنود المصنوعين من الرصاص.

يبدو ان الفارق بيني وبين رئيس الوزراء لا يكمن في الذاكرة الشخصية، فهو اكثر تجربة مني في الحروب، بل بعمق الذاكرة التاريخية التي تدفعني لان أكبت هذا الاغراء الفاشي. فالمسيرة العسكرية هي استعراض للقوة المركزة، القدرة التنظيمية، الطاعة والشدة. وهي نقيض سلوك الشقي، الدعابة، المفارقة، البعد الجمالي، اقتحام الجدار والفردية. فالرجل العسكري الذي يسير هو جزء من جهاز كبير، مثله كمثل آلة الحرب المؤللة امام ناظر الجموع. الخطر في المسيرات العسكرية يكمن في جمالها الكامل: فلا يشارك فيها مقطوعو الاطراف ولا تسير فيها دبابات شوهاء. المسيرات العسكرية يحبها الاغبياء.

لقد وجدت في عهود سابقة وغايتها تكاد تكون لم تتغير منذ أن سير حكام الممالك في ما بين النهرين جيوشهم امام عيون الجماهير. في روما كان القادة يعودون مكللين بالنصر من ميادين المعارك البعيدة، ينقلون في مركباتهم، مكللو الجبين بالغار وفي أعقابهم مقاتلون مسلحون، جنود يرفعون الاعلام والاسرى المقيدون وغنائم المعارك. اما الشيوخ، بجلابيبهم البيضاء، فكانوا يشاهدون من الاعلى عودتهم وجماهير روما كانوا يكسرون جوعهم من بواقي انتصارات البرابرة. الى أن انتصر البرابرة.

وصفة المسيرات الراهنة اوجدها البروسيون. فقد كانت المسيرة العسكرية البروسية صدى لتكتيك جيوش اليونان والرومان. أقدام متلاصقة، كتف بكتف، مسلحون بالدروع المستديرة وبالرماح الطويلة، جاهزون بالارباع، مضاعف القوة في ضوء القتال العشوائي للخصوم المفتتين. وكان تصميم المسيرة يتطلب تدريبا شديدا كي لا يسمح لاحد بالخروج عن الصف واحداث ثغرة يمكن للعدو ان يتسلل عبرها فيصيب القلب. سلاح الفرسان وبعد ذلك السلاح الناري، المدافع والمقالع، جاءت لتصفي هذا التكتيك، ولكنها لم تصفي طريقة التعليم التي تنطوي على تأهيل المقاتلين ذوي الدروع والرماح. حتى اليوم يصرخ العرفاء على الانفار ويسيرونهم كالدمى الالية على ساحات الطوابير.

في دول عديدة تجرى مسيرات عسكرية في مواعيد الذكرى التي تسجل تحرر الامة او الانتصار في حرب ضروس. والمسيرات الاكثر فخارا تجريها الدول الشمولية التي يحتاج زعماؤها الى استعراض عضلاتهم. اما في الزمن الحالي فكانت أكثر المسيرات فخارا تجري في الساحة الحمراء في موسكو. آلاف الجنود كانوا يسيرون مسيرة الاوز، يطلقون اطرافهم الى الهواء، يركلون العدو الوهمي من امامهم. الاسلحة، ولا سيما الصواريخ بعيدة المدى، كانت تستهدف ارضاء جماهير العمال والاشارة الى القوة العظمى الخصم بان قوة رجال الغد في متنهم. لا حاجة لتفسير حقيقة أنه في عصر بوتين استؤنفت المسيرات بكامل فخارها. أعظم القوى لا تجري مسيرات، ولكني اخمن بانه اذا انتخب دونالد ترامب رئيسا، فانه لن يتخلى عن امكانية استعراض مسيرة عسكرية من اعالي المنصة.

في مسيرات النصر في روما كان عبد يقف خلف القائد العسكري ويهمس في اذنه "تذكر الموت"، خشية أن يتفطر قلبه. هذا هو آخر ما تبقى من المسيرات العسكرية: من خلف كل رئيس وزراء تشوش عقله جراء ولاية استطالت اكثر مما ينبغي، يجب ان نجلس موظفا يهمس له: "تذكر الموت".