الدحية... "غزوة" بدوية تجتاح كل الأذواق الغزية
عادت من الماضي لتقتحم الحاضر

استراحة الحياة- سهاد الربايعة -وسط ضجيج السيارات المزدحمة على طريق صلاح الدين جنوب قطاع غزة، وفي طابور مكتظ بالسائقين المتذمرين من طول الانتظار، تصطف سيارة إبراهيم أبو جري وصوت الدحية يعلو من مسجلها متغلبا على صراخ زملائه وأبواق سياراتهم المتصاعد كالبركان.
أبو جري الذي اعتاد دوما على تشغيل الدحية ليمضي وقته مستمتعا بها يقول لـ"استراحة الحياة" انها لونه المفضل من الغناء يعشق سماعه، خاصة أنها ذات طابع بدوي تجعله يشعر بالأصالة والانتماء، موضحا أن السائقين لم يكونوا في السابق يستمعون للدحية التقليدية، وأغلبهم لا يعرفون معاني كلماتها أو ماهيتها، لكن الغريب في الوقت الحالي سرعة انتشار الدحية الحديثة "كالنار في الهشيم" على حد وصفه، مبينا أن الكثير منهم بات يشغلها سواء كان بدويا أو غير بدوي كونها خفيفة على السمع وموسيقاها متزنة ولا كلمات خادشة فيها.
فن متزن
أما السائق خالد الشيخ خليل من غزة الذي لم يسبق له أن سمع الدحية أو عرف ماهيتها فبين أن انتشارها في الشارع الغزي دفعه لمعرفة ما هذا اللون الجديد من الغناء، خاصة أنها تحمل كلمات بدت في نظره غريبة غير مفهومة، مشيرا الى أن فضوله دفعه لحضور أفراح كثير من العائلات البدوية فقط من أجل سماع الدحية.
لم يكن يتوقع الشيخ خليل أنها لا تتضمن أي نوع من الرقص أو الصوت الصاخب، فقط صفان من الرجال وشخص يردد كلمات مع تصفيقهم، مبينا انه فن متزن بخلاف الأغاني التي كانت تسود الأفراح وتثير الضجيج وتشعرك بأنك في ساحة حرب وليس في فرح.
وتابع انه عشق هذا الفن حتى بات يخزنه على جهازه المحمول يستمع له وقت انقطاع الكهرباء، مشيرا الى أن بعض الركاب لا ينزعجون حين سماعهم لها أثناء ركوبهم في سيارته.
وحول انتشار الدحية في الأعراس الفلسطينية ووجود فرق خاصة تقدمها أوضح محمد الرواغ مدير فرقة النشامة للتراث الشعبي ان الدحية فن مطلوب في الوقت الحالي في كثير من الأعراس، وأصبح صيتها ذائعا في الآونة الأخيرة لما لها من أثر محبب على نفوس الجمهور بمختلف أطيافه، مبينا أنها لم تعد مقتصرة على العائلات البدوية فقط بل تعدت كونها خاصة بهم الى لون شعبي اجتاح كالإعصار جميع الأفراح لمختلف العائلات.
طورت لتناسب الجميع
وأشار الى أن الدحية كانت سابقا تستخدم قديما لتشجيع وتحفيز الجيوش في الحروب لدى القبائل البدوية، حيث يقوم "البديع" فيها بارتجال بعض الكلمات التي تثير الحماسة في قلوبهم لتحقيق النصر للقبيلة، مردفا أنه تم توارثها عبر الأجيال لتصبح لونا خاصا بالأفراح والمناسبات السعيدة يحبذها كبار السن الذين يعتبرونها موروثا يحمل من الأصالة الكثير، معتبرين عودتها نصرا للثرات وترسيخا له لدى الأجيال الجديدة، حيث انهم لا يملون من التواجد في الأفراح حاليا لوقت متأخر، نظرا لأن الدحية هي الفن الأساسي المقدم فيها بخلاف الفترة السابقة التي سادت فيها الأغاني الصاخبة.
وعن اختلاف الدحية قديما عنها في الحاضر أوضح الرواغ ان تطويرات جرت عليها لتناسب الجميع، مشيرا الى إن كلمات "البديع" لا تفهم بالنسبة للكثير من الناس من غير البدو، حيث انه يرتجل الكلام حسب الموقف وردا على الطرف الآخر المنافس له، موضحا ان الدحية الآن أصبحت بموسيقى تستخدم فيها الربابة والأورغ، إضافة الى إدخال الخيالة ويكون الحاشي فيها رجلا يرتدي ملابس امرأة مغطاة الوجه وتحمل سيفا تلوح به في الساحة، إضافة الى عمل بيوت الشعر والمجالس البدوية بدلا عن المسرح، والمربوعة والدبكة مع وصلة رقص خيل ويرغول التي طورت أيضا لتناسب مختلف الأذواق، مضيفا أن البديع في الدحية يرتجل الكلام، تارة يرحب بالضيوف وأخرى يبارك للعريس وعائلته ويدخل الجانب الحياتي والسياسي في كلامه أيضا من باب التنويع.
وتابع الرواغ: من أسباب انتشار الدحية أنها فن ملتزم لا رقص ولا تمايل فيها للرجال، إضافة الى أنها من التراث يحبذها الصغار والكبار والنساء أيضا، موضحا أن حفلات خاصة تقام في الفنادق والمطاعم بغزة فقط لتشاهد النساء الدحية كونهن لا يستطعن مشاركة الرجال في مشاهدتها وقت الحفلة، مبينا أن الحفلة لا تكلف كثيرا أصحاب المناسبة بخلاف جلب مغنين لإحيائها مقابل مبالغ باهظة، مشيرا الى أن فرقته تقوم بتدريب الشباب في فرق الدحية لتوفير مصدر دخل لهم من خلال مشاركتهم في إحياء الحفلات.
برامج خاصة
ولأن الدحية أصبحت "غزوة بدوية" اقتحمت كافة البيوت في الوقت الحاضر، وباتت نغمة خاصة على الهواتف المحمولة، إضافة الى اكتساحها مسجلات السيارات وترددها على ألسنة الأطفال الصغار في الشارع رمت سهما صائبا لها أيضا في الإذاعات المحلية بغزة، فالعديد منها نظمت برامج خاصة بها مثل إذاعة صوت الشعب، فمديرها العام الصحفي حسن جبر تحدث لـ "استراحة الحياة" عن أهمية هذا اللون في الشارع الغزي بعد انتشارها الكاسح وازدياد رغبة الجمهور في سماعها، خاصة أوقات المساء فترة انقطاع التيار الكهربائي عن بعض المناطق.
وأوضح جبر أن إذاعته تقدم برنامجين خاصين بالشعر النبطي والدحية قدم كلا منها مذيع بدوي لقدرته على إعداد وإدارة البرنامج باللهجة البدوية المحببة للكثير من الجمهور، منوها الى أن اغلب المستمعين يتصلون فقط لطلب الدحية وعمل فقرة خاصة بها، موضحا أن مدة كل برنامج كانت ساعة واحدة ومددت الى ثلاث ساعات متواصلة نزولا عند رغبة المستمعين.
وأضاف أن الشارع الغزي يحب هذا اللون من الفن كونه من تراثه، ولحنه جميل وبسيط ولا توجد به كلمات تخدش الحياء، مطالبا الإعلام الفلسطيني ضرورة رصد رغبات الجمهور والعمل على تحقيقها، مشيرا الى أن الدحية أصبحت لونا محببا لدى الغزيين كافة بغض النظر عن جذورهم سواء كانوا من البدو أو غيرهم، موضحا أن اغلب المستمعين يتصلون ويحاولون الحديث باللهجة البدوية لطلب الدحية أو غيرها.
وفي ختام حديثه بين جبر أن الدحية وغيرها من ألوان التراث تعمل على حفظ موروثنا الثقافي وإحيائه من جديد وترسيخه في عقول وقلوب الأجيال الناشئة، كونها لا تعلم عن هذه الفنون الكثير، وإعادة إحياء الدحية من جديد في الأفراح الفلسطينية والحفلات الوطنية شيء جيد يعمل على تعزيز الثقافة الفنية لدى المواطنين وتعريف الآخرين بها، كما أنها ساعدت في التعريف عن المجتمع البدوي وعاداته وتقاليده في الأفراح والمناسبات.
مواضيع ذات صلة
دوما.. حياة على حافة الخطر
قوات الاحتلال تنصب حاجزا عسكريا غرب بيت لحم
الاحتلال يعتقل شابين من عقابا شمال طوباس
مسؤولة بريطانية تطلع على معاناة المواطنين في قرى شرق رام الله نتيجة جرائم المستعمرين
مصطفى يبحث مع نائب مستشار الأمن القومي البريطاني آخر التطورات
مستعمرون يهاجمون المواطنين ويصيبون مواطنا ونجله بجروح جنوب الخليل