الظلالُ أرواحٌ لا يليق بها السقوط للأسفل
ثورة حوامدة

أن تتخذ لنفسك عاصمة من "الحزن/الظل"، وترفع جدران قلبك الموصودة في وجه المنفى، الرحيل،الغياب ، البكاء، السن الذي يتقدم خلسة، دون تخليد للحظات الطفولة الهاربة من جسد مثقل بالطعنات والوحدة. زمن أسقط ظلاله على العقول والقلوب، والأفكار المتجذرة في الفراغ، زمن يزهو بالذي لا يليق بتجارب ندللها على أكتاف الخيبات. ديوان "ظلالٌ تسقط إلى أعلى" للشاعرة المغربية "عُلية الإدريسي البوزيدي"، الصادر عن منشورات بيت الشعر في المغرب 2015م. يقحم التجربة الذاتية والوجدانية المتزامنة مع تجارب تتشكل بالقرب ، الأب الذي لن يكفيه مجدافا لينجو من بحور المجاز الشعري، والقلب الذي لن تكفيه خيبة واحدة ليأخذ الدرس والعبرة، والروح المشروخة جدرانها المفتقدة للألوان والمائلة للسواد والبرود.
ما الذي سيحدث لو فقد الإنسان ظله، أو عثر عليه في طريق البحث عن النفس، أو شَعر بوجوده على حواف النوافذ وألبومات الصور، سيكون التعكز عليه مدعاة للسخرية والشفقة، وهل في الظل قوة يؤتى بها؟ ليس هذا وحسب، ويحدث في وجهة معاكسة أن تكون "المسافة" ظل بين الكنسية وجرسها، بين البئر وماءه، بين النهر ومجراه الدائم، بين الريح واعتيادية سرعتها، بين الثلج والبرد، بين البكاء والوجع. في قصيدة "كأن المسافة ظل"، تتصارع الظلال فيما بينها، منتجة قلق وريبة في المحيط القريب، الطريق/الروح تتابعان بصمت هذا الأمر النادر الحدوث، المساحة التي تجمعهما بوضوح هي المساحة/الظلال ذاتها بين الجماد والإنسان المتداخلان بإحساس عال.
" كان ظلي كحديقة الخارج
يتبعني
لست أناالموت ولا أنا حارسته
أنا خطوة تمشي وراء الرأس
وتلتفت كالماضي لحجر الطريق".
السماء حين تمطر أحلاما
"الحرب/السماء" التي تقتلع المشاعر الإنسانية بصورة تطابق نزع "القلب/الروح" من الجسد دون تخدير، هي ذاتها التي توزع الأحلام على مترفي اليأس، والمنزوين في طيات البيوت المظلمة، مائلة نظراتهم لتكذيب الحقيقة المجردة حينا، والتصديق المطلق بما يظهر على الملأ المُثقل بالموت المحيط. في قصيدة "أرملة الحب"، تتكفل الحرب بصفع الأنثى على قدر مشاعرها وثقل أحزانها، فثمة حب يتَجسد، يتَخلق، يتَكون، يتَشكل لكنه يُطوى سريعا بسبب الحرب التي تشعل فتيل التساؤلات الداخلية.
" ثق بي
ما من شيء في الحرب
أنا أرملة
وإن قلَّدني الحب ".
اتجاهات متضادة لظلال تسكننا
رحيل متبوع بحضور لا يمكن أن يستقر على كتف غائب، ومنفى يتسع للنجمات والأحلام والأرصفة والرسائل والحدائق والسماء والأصوات والحب، لكنه يبقى في النهاية ملجأ للذات المنعدمة فرص حظوظها. قصيدة "ربما أخيط الماء" مشرعة على اتجاهات متضادة، الروح التي في السماء مقارنة بالحضور الذي في الأرض_ صورة الأب الغائب في السماء_ ،النسيان الذي في العقل والذكريات المدوية الموجعة للروح، الجسد الذي يشيخ والملامح الندية المزهرة، الصوت والصمت.
"خذ هذا النسيان
فأنا لم أعد أصرخ
مذ كان الليل صيد غيري" .
الحب إليك أيضا
وهج الصيف وحرارته ظروف مساعدة ليتشوى الذي في حيرة من قلبه، شمس تثقل الندبات المفتوحة على الماضي بأشعة حارقة تسقط ظلالها العمودية على الحب المدفون في بئر عميق، يخال للمتحابين أن الشتاء بأمطاره فصل الحنين، لكن القوة الكامنة في تبدّل الفصول هي ما يدفع القلب ليستمر رويدا دون عجالة من تعبه، فلو استمرت الشتاءات متتابعة لهلك وتهاوى. هذا الجحيم الذي نصوره على أنه الجنة _ في قصيدة حريق صيف قديم_ رغم أذاه، مصدر قوة حتى وإن كانت على ضعف، انطباع متروك فيه لدرجات عشق متفاوتة تعيشنا ونعيشها.
" مرة أخرى
في الشارع تموت حياة
لا أتذكرها
ألست أنت؟ "
نفوس نفيسة
الديوان الذي جاء في 114 صفحة، وفي الشطر الأخير "كنت أنوي ألّا أصير أنا" من القصيدة الأخيرة التي حملت اسم "لم لا تأتي"، بوضوح يسطع إيجاز قصير لمعنى كبير. جميعنا يدرك ذاته، وباستطاعتنا أن نكون على غير ما نحن عليه الآن، وتمنيّات بأن نكون أناسا آخرين، وفي لحظة حين تتوطط الذاتية التي فينا أكثر وأكثر في ظل هذا الشرور المحيط بعالمنا، نتشبث جدا بأنفسنا، فنكاد نشعر أننا لو لم نخلق هكذا لحلمنا بالذي نحن عليه .
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين