عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 27 نيسان 2016

"عسل المرايا"... فلسطيني من كل المدن

أيهم السهلي*

بينما تدخل عوالم رواية ما، تنجدك أحياناً سعة الأفق في معرفة حيثيات مكان أو زمان الرواية في الواقع، فتصبح على مقربة من النص، والغوص في عوالمه يكاد يكون بمثابة الوثب داخل نبع عذب، إلا إذا خذلك الكاتب الذي لم يقتل نفسه في نصه، لتجد المكان كما تعرفه لا كما أرادته إحدى الشخصيات أن يكون، ليوهمك في لحظة معينة من صفحات الرواية أن مكان الشخصية هو المكان الذي تعرفه ذاته.

«عسل المرايا» رواية الكاتب الفلسطيني نافذ أبو حسنة الصادرة حديثا عن "منشورات ضفاف" في بيروت، تمارس لعبة المكان بمهارة العارف الضليع بجعل اللغة مرنة ومنسابة في إعادة صياغة المدن، كأن تصبح اللغة شبيهة للمدينة شكلا ومضمونا، والمقصود هنا بيروت التي تمكن ناسجها الفلسطيني مجدداً بعد العديد من الكتاب الفلسطينيين الذين مروا بها، من تقديم شاطئها، ومقاهيها، وشوارعها، وحياتها، ونهاراتها ولياليها برؤية الفلسطيني الخاصة لهذه المدينة تحديدا دون بقية المدن العربية، لما للفلسطينيين من أثر كبير في تاريخ هذه المدينة، ولما لها من تأثير في الحكاية الفلسطينية المعاصرة.

بذلك، ستكون بيروت ذاكرة ليست للنسيان، وانعكاساً جلياً لأحداثها السياسية المفصلية، كحروب قضتها منذ عقود، وأخرى عمرها عقد من الزمن كحرب تموز التي سجل فيها حزب الله على الجيش الإسرائيلي خطوات متقدمة في الصراع، أعادت تشكيل خطوط السياسة، وما طرأ بعدها في لبنان من تحولات لإفراغ النصر من محتواه، عبر مماحكات طائفية ساذجة من التيارات المتصارعة في لبنان.

يظهر العمل عبد الرحمن الصحافي والباحث الفلسطيني، الخارج من حزبه اليساري في الثمانينيات، بصفة الواثق من موقعه في السياسة والقضايا الكبرى، لكنه يحيا قلقاً وجودياً في الحياة جراء التحولات السياسية أيضاً، فيبدأ باعادة النظر في حياته وبعض مواقفه، خاصة وأنه رحال في المدن، حاله حال اللاجئ غير المستقر، المنتمي واللامنتمي في آن معا.

الأحداث المتسارعة والشخصيات التي تظهر بكثافة في الصفحات الأولى من العمل، تمثل خطوة تحسب لبنية الرواية، بخاصة في الصفحات التالية. إذ لم تظهر شخصية في "عسل المرايا" مجاناً، على العكس كل من ظهر ولو سريعا واختفى كان من صلب العمل الروائي، وبنيته، لذلك لم يكن داخل الرواية أي شخصية خارج سيطرة الكاتب، لتسبح وحدها في حركة النص السريعة في الانتقال الزماني والمكاني، وهنا لا بد من الإشارة للمناورة الذكية في عرض مرحلة سقوط بغداد، ليس من جانب الحدث، إنما من الأحاديث العميقة والجانبية للمثقفين العرب، والانقسام الذي كان حيال الوجود الأميركي، والسؤال هل أميركا تحتل العراق أم تحرره؟!

عبد الرحمن ارتحل بين مدن عدة، وكان المستقر، بيروت، وفيها سلام التي يلتقيها، من خلال صديقه المعارض العراقي ضرار سلمان الذي كانت تربطه علاقة عاطفية معها، تصبح لاحقاً محور حياة الأول، وتدور معها الحكاية ومن خلالها.

تكمن الحبكة في ذروة السرد الروائي الذي طال أحياناً، مع تعرف سلام على عبد الرحمن، وبدء مرور شعور لدى الأخير بالاستقرار دون جدوى، ليصبح السرد انعكاسا لحاله، وبدء اللعب في المساحات النفسية من خلال التقنيات الفنية، بوصف حال الشخصيات وتفاعلها مع بعضها، ومرات عبر شكل المكان، والطقس، هذا دون الخروج عن حالة الهدوء الضجر في بعض المواضع، ليكون في صفحات أخرى هدوء يتوق إلى السفر نحو أبعد لحظات الانطلاق في اللغة المترفعة عن التكلف والعجرفة في تركيب الجمل ونحت الألفاظ، لتصبح «عسل المرايا» في آخر المطاف رواية مكتوبة بوعي عال، كالذي يكتب وهو يرى الواقع بجماله وقبحه، مع حضور القلب والسيطرة على ممشاه.

عمل الكاتب على أكثر من مسار. وجاءت العلاقة بين الشخصيات عبر خيط خفي من المواقف في الحياة والحب والدين والسياسة، فضرار سلمان مثلاً ظهر في الصفحات الأولى وكان ممهداً لظهور سلام لاحقا، وقدم موقف البعض في تلك المرحلة ممن وافقوا على تغيير نظام صدام حسين، من على ظهر الدبابات الأميركية. في المقلب الفلسطيني، هناك الشبابي صديق عبد الرحمن التاريخي، ويظهر لتبدو من خلاله بعض التغيرات الفلسطينية السياسية والميدانية، ولتقديم واقع بعض اليساريين كيف بدلوا قناعاتهم، ليكونوا أمرا كانوا يحاربونه سابقا.

من خلاله تحديدا تبدو الحالة الفلسطينية في غزة تحديداً إبان الانقسام، ليذهب أخيراً الشبابي المناضل السابق إلى محطة أخيرة في النرويج.

في المقلب ذاته، يستشهد أبو عمار، وترتسم من خلال عبد الرحمن صورة الختيار بتسميته «أبو الوطنية الفلسطينية» رغم أن عبد الرحمن كان على خلاف تاريخي مع والده حول هذا القائد الذي كثيراً ما اختلف معه ولم يوافقه في سلوكه السياسي.

أما عن لبنان، فكانت سناء الغارقة بماضيها وذكرياتها عبر مراياها الكثيرة في بيتها وعالمها ككل، لتصبح لاحقا «محجبة» بفعل التغيرات الطائفية السياسية بعد عدوان تموز، وما حصل في بيروت في أيار (مايو) 2008.

مع مرور تلك الشخصيات، واستمرارها في النسج الروائي، كان عبد الرحمن وسلام مستمران في حالتي العشق واللامسمى من العلاقة، وبين الحالتين ثمة استمرار لظهور شخصية الجنرال الذي على ما يبدو قدم الكاتب نافذ أبو حسنة رؤيته الشخصية بقضايا محددة على لسانه، يختفي الجنرال لاحقا، ويستمر عبد الرحمن في حياته، وما يتخللها من وفاة والده، وشعور بالانكسار، بعد هذا الرحيل، وعدم قدرته على ايصال العسل له.

نص نافذ أبو حسنة تمكن من تجاوز عقبات عدة. لقد تمكن من ترميز الشخصيات، لتقدم مقولة في الواقع الراهن، قد لا يسعف الواقع الراهن تقديمها. وما يحسب للنص أن تقطيعه من ناحية السرد والمشهدية، يبدو كأنه جاهز لتحويله إلى فيلم.

رواية «عسل المرايا» تُشعر بالاغتراب والانتماء في آن معاً، فالنص يحاول قول كل شيء، كأن كل شيء بات منتهياً، ليبدو العشق بين عبد الرحمن وسلام، قصة أخرى. ختام الرواية الموقعة بتاريخ 1/1/2013 عندما دعته سلام إلى الغداء في مقهى بحري، وأعلمته أنها راحلة من حياته، يذكّر فوراً بعبارة قالها الرواي في الصفحة 61 «غريب هذا التشابه بين المدن والنساء. تعطي النساء للمدن جانباً أساسياً من هويتها وشكلها».. هنا سلام.. هنا بيروت.

*كاتب وصحفي فلسطيني يقيم في بيروت