عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 20 نيسان 2016

وجع الماء أنشودة الأمل والثورة

سعيد أبو نعسة

حين قرأت اسم فردوس حبيب الله اقشعر جلدي من حبّ (عين ماهل) أم الشهداء.وحين قرأت مجموعتها الشعرية كرجت على خدي دمعتان:

دمعة فرح بالإبداع ودمعة شوق إلى قريتي التي هنالك تلك التي كنت أراها في عيون والديّ رحمهما الله وأسمع عنها في أحاديثهما.

قبل قراءتي (وجع الماء) كانت عين ماهل حلما صعب التحقق وأملا صعب المنال ولكنني الآن ألمسها بيدي وأراني أحمل المعول أنبش التراب حول زيتون أجدادي وأسقي سنابلها بعرق العودة.

ماذا فعلت بي يا فردوس؟

وجع الماء

عنوان مخاتل يختصر القصائد حينا ويفصّلها حينا آخر

قضية القضايا فلسطين في كلمتين لا ثالث لهما

الماء والوجع:مَن يحفر في مَن؟

الوجع نعرفه، فما الماء ؟

أهو الذي منه كل شيء حي؟

أم هو الوطن أم هو الإنسان؟

أم هو كل ذلك في شاعرة؟

إنه فردوس حبيب الله.

إنه الصمت حين يصرخ إنه الثورة الفاعلة إنه مفتت صخر الطغيان والظلم

مفتت جلاميد الخنوع والانحياز والصمت المريب من البعيد والقريب.

وجع الماء هو الماء الموجع

هو الفاعل المنفعل في آنٍ معا

من يكون هذا الماء؟

أهو الوطن الصغير الثائر المحصور بين البحر والنهر

الوطن الكائن بين الفاء والنون؟

أم الوطن الكبير الخانع بين المااااااااااء  و  الماااااااااء

 

 

وجع الماء

كلمات تعكس شخصية الشاعرة وفلسفتها في الحياة مختصرة في بيت من الشعر الحكمة :

(هي الأيام تسرق ما لدينا وتبقينا لكي نحصي الخسائر).

توصيف دقيق عبقري فذ يُفقد الحياة معنى العطاء ويُبقي لها معنى الأخذ الموجع الإجرامي السمات فهي سارقة ما لدينا من

فرح وسلام وحب ووئام

تاركة لنا رمقا نحصي به الخسائر.

هي الحياة جرح نازف ووجع يؤرق الليالي ويشرّد المهج ويحتلّ البال

ولئن حسبناها أجمل من الخيال فهذا ناجم فقط عن كثرة الانفعال.

لأنها وحش ييتّم الفرح ويزرع في الجسد الأسقام.

بلايا تؤثر في الكائنات كلها وتستثني فردوس العصية على القهر.

دنيا غرورة هشّة منخورة الأيام تتلاعب فينا تؤرجحنا يمينا ويسارا بحبل منزلق من رمال، وحين نقع متخبطين نكتشف أنها ضربتنا بالنعال .

فردوس في وجع الماء تمزق روزنامة الأيام والأعوام تقطع رأس الماضي غير آسفة على رحيله وترفض أن تلبس في عزائه السواد لأنه ماض غادر بلا إخلاص وكاذب بلا أمل وميت بلا سلام.

فردوس بنت الحاضر المؤسس للغد الواعد,تنهض اليوم عابرة نحو أعوام ثائرة تنبثق من رحمها شخصيا طفلا مُصرا على الحياة الحياة ,طفلا رجلا عريسا فلسطينيا كطائر الفينيق يناضل وحده ويثور وحده ويُسجن وحده .

بكى وحده قبل ميلاد الشاعرة هكذا أخبرها أبوها ويبكي اليوم وحده وإنها لتشهد.

ونحن نلوك العجز حينا ونتمطى جالسين خلف شاشات التواطؤ واتخاذ اليأس عنوانا لليأس ,كي يبقى القيد قيدا والسجان سجانا ونظل نبكي وتحرقنا الدموع ودم يعصف في الشرايين حسرة أم ذاقت من الأيام مُرا ,وبكاء طفل ترعبه الكلاب المسعورة .

فردوس ككل الشعراء الثائرين تطلب السماح من الطفل الفلسطيني الثائر (أرجوك سامحني ولا تبح بخيانتي)

وترجوه إن صعد إلى السماء أن يشكو انكساره إلى الله وأن يخبره بأن العرب كانوا معه بحناجرهم الصامتة وحروفهم النائمة ودموع التماسيح الباردة.

كانوا معه بقصائد منبرية تزف إليه الوعود في عرس شهادته.

فردوس تصرخ في الأمة تهمزها لأنها اليوم تجتر ماضيها الذي شبّت عليه وأنها لا حول لها ولا قوة، ريشة في مهب الليالي والظلام,تأخذها حيث تشاء .

أمة غرائزية تخضع للسخافات والقيم المتهاوية والتناقضات الفكرية

 (تزاحم فكرنا قيمٌ تهاوت)

وأنها تضيّع شبابها عابثة به فيضيع العمر كله.

للشاعرة نظرة ثاقبة في البحث عن سبب ضياع الأمة:

إنه البعد عن الأخلاق:

(وإنا عن جميل الخلق بنّا...دنونا من جميل الخلق قابا)

بيت جميل يردد صدى بيت لأحمد شوقي:

وإذا أصيب القوم في أخلاقهم **فأقم عليهم مأتما وعويلا

وتمضي فردوس تنكأ جراح الأمة فتجد أنها تسارع للمكاسب المادية دون فكر أو تفكّر في المصير وأننا نصارع بعضنا وندوس أنفسنا دون أن ندري.

هكذا كنا وهكذا نحن اليوم وهكذا سنبقى لأن من شب على شيء شاب عليه.

هكذا كان السلف وهكذا هم الخلف

بالشاعرة شوق إلى الغياب إلى الأمل,يؤرقها الانتظار وتنتظر بصبر يعجز الصبر عن الصبر عليه .

أحلامها الصغيرة انقصم ظهرها وبات الخوف من الآتي رفيقها الهاجس ليلا.

واللوعة رفيقها نهارا.

لكنها ورغم كل الخوف والقلق والانتظار ستظل تغني نشيد الأمل حتى يعود الغياب والغيّاب والوطن المنسي والثورة والسلام.

وفردوس تناجي ربها العدل السميع تذكّره -هو الذي لا ينسى-بأنهم أخبروها بأنه ينصر المظلوم وأن حقا عنده لا يضيع.

وهي ككل عربي حر أبيّ تلوم الحكام العرب على تقاعسهم عن نصرة الفلسطيني وتؤكد أن جراحه ستظل تنزف ما داموا خاضعين للأغراب.

ما داموا يعقدون القمم الخادعة ويساومون على أطفالنا ويخونون الأمانة ويساهمون في دمار الأوطان وتقسيمها وشرذمتها.

فهم لا همّ لهم سوى جمع الأموال والنساء والألقاب دون وازع من ضمير أودين (تزوجتم وطلقتم وخنتم من تزوجتم

تمتعتم بلا خلق بلا دين يقيدكم

نسيتم عهد خالقكم

كفرتم ما تراجعتم وقلتم:ما توحدنا )

وجع الماء

ديوان بين بين فلا هو عمودي الشعر متقن الوزن والقافية ,ولا هو حرّ يجري على تفعيلة واحدة .

ينفلت من إسار الشعر الكلاسيكي يكسر الوزن أحيانا فيقع في حِمى شعر التفعيلة ,والعكس صحيح .

لدى الشاعرة توق سريع إلى البوح يجعلها تدلق الأبيات كي يصل مكنون قلبها وفكرها دون أن تعير التفعيلات والبحور بالا.

*مقيم في بعلبك/ لبنان