عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 18 نيسان 2016

بيت مريم ... السكينة والبشارة

محمود ابو الهيجاء

في " جماليات المكان " لغاستون باشلار ،  " البيت جسد وروح " واظن ان الانسان ادرك ذلك بالغريزة، قبل كل معرفة، وقبل كل فلسفة، ولهذا بنى البيت ليسكن فيه   لأن السكينة لاتكون إلا بين يدي جسد وروح .

وحين يكون البيت مكانا لاحتفالات اللون ، وحاملا لأسم " مريم " العذراء الايقونة، المعلقة على صدر الحكاية المقدسة، فانه يعود متراميا في معناه الانساني كصدر حميم للسكينة والتامل، الذي تعززه نجمة اللوحة هنا، مثلها كمثل نجمة البشارة التي هبطت على العذراء " مريم " عليها السلام .

اتحدث عن " بيت مريم " دارة العرض للفن التشكيلي التي هي الاولى من نوعها في رام الله، والتي استضافت حتى الان اربعة معارض لرسامين فلسطينيين وعرب،

واستعير هنا من " جان ليسكور " حسب ما جاء في كتاب باشلار " إن المكان الذي ينجذب نحوه الخيال لايمكن ان يبقى مكانا لامباليا " بيت مريم هو هذا المكان في رام الله الذي بات يجذب لا خيالاتنا فحسب، وانما تطلعاتنا ايضا، ان نكون على مستوى اللوحة، في جماليات مساحتها، وفي شغفها الملون بروح رسامها " الشاعر " وهذا ما يجعل هذا البيت مباليا بهذه التطلعات وساعيا لتجسيدها، غير ان  الثقافة  هنا هي ضرورة الحكاية، واعني الثقافة في اطار مؤسسات العقد الاجتماعي، ان تكون على دراية تربوية، باهمية الامكنة التي تنجذب اليها الخيالات، لقدرتها على هندمة الذائقة العامة، والارتقاء بها الى اعلى المستويات المعرفية، لا للاستمتاع فقط، وانما اساسا لاختيار الاجمل والافضل لمشهد الحياة اليومية وملمسها، في تفاصيلها وامكنتها المختلفة . 

و بيت من هذا النوع، واعني طبعا " بيت مريم " هو في كتاب الكناية والمجاز، صورة شعرية، حيث اللوحة تدندن بايقاع اللون، وحيث المخيلة تحلق في فضاء القصيدة، والشعر " روح تتفتح شكلا " وليس ثمة ما يعبر عن هذه الفكرة، اكثر من الفن التشكيلي الذي يجعل من كل ضربة ريشة كلمة، وكل حركة في اللوحة بحرا لميزانها .

يبقى ان اقول، إن الدولة الذي نؤسس ونبني ، بتطلعات الحرية والاستقلال، ينبغي عبر مؤسساتها التشريعية والتربوية والثقافية ومؤسسات المجتمع المدني، ان تنتبه لأمكنة من هذا النوع، وان ترعاها على نحو ما يكرسها كبنية حضارية، وجمالية، وثقافية، يحتاجها المجتمع والمدينة معا، وبكلمات اخرى فان خطاب المشروع الوطني، لايمكن ان يتكامل ويتضح تماما في بعده الانساني والحضاري التحرري، بعيدا عن تأصيل المكان، بجمالياته المعرفية، وصوره الشعرية، وتكريس بيوته الجاذبة للخيالات والمحلقة بها  باجنحة المشتهى النبيل .