اشتقت دمشق
أيهم السهلي

لم تكن رام الله مدينتي، ولم تكن في البال أكثر من أغنية أرددها مع المرددين والمريدين لبلاد نجهلها خارج الحلم والأمنيات.
من دمشق بدأت الحكاية، ومنها مشت ومشيت معها إلى عمان، فأريحا، وصولا إلى رام الله.
مدينة لم أتقن أمامها سوى الصمت والانتظار، انتظار يستمر منذ خمس سنوات، وكأنه حكم مؤبد.
كان اللقاء عابرا لولا اللقاء المستمر في القصيدة، في الابتسامة، في السهر، في الأمنيات الحزينة.
التقينا خلسة في الأزقة، أمسكت يدها وغفونا مع الريح، أخذتنا بعيدا، وفي حيفا وقفنا ننتظر المكان أن يأتي، تعبنا، أعدت رام الله إلى رام الله، واسترحت على سريري لأيام أعيد ابتسامتها لأعرف ما الذي جرى.
لم أعرف وانسحبت مني الرواية، وعدت إلى دمشق، لتبدأ حكايتي بوجه مدينة أخرى، عفوية لا مجاز لديها، الحب لديها هو الحب، والنهر هو النهر.
لدمشق متحفها وروحها تسكن هناك، لا تنام تلك الروح، كلما فقدت قلبي وجدته هناك، أشعلته من جديد، واستغرقت في الخيال يرحل إلى مدينة تركتها لظلي يرعاها ويحرس ضحكتها مع الشمس.
مرت سنة، وسنتان وأكثر، وهجرت دمشق مرغما، وبت في بيروت لقيط أحلام جديدة لا أعرفها ولا تعرفني، تعايشت ما استطعت، وعادت رام الله لتسكنني وأسكنها، فصرت أحيا بمدن ثلاث، لكن تلك التي في الجنوب هي حكايتي الحلوة، حكاية المجاز اللامتناهي من الحب واللغة.
****
هجرت دمشق رغم أنفي، ووداع مدينتي لم يكن كما يليق بسحرها، ولا بهمسها عند الفجر لي.
هجرتها هربا من سطوة القيامة السابقة للقيامة، والحساب المؤرخ بهنات المزاج الساذج لساسة الليل والنهار فيها، هجرتها دون أعرف ميعادا لعودتها إلي مثلما كانت، جميلة بريئة وأنثى تتلوى بكبرياء بين يدي.
هجرتها ونسيت أن في حجارتها حنانا سيمسك لاحقا قلبي، بالحنين إلى دمعة في عينها كان بوسع أهلها الطيبين أن لا تكون.
ربما نسيت فيها الكثير من الكآبة والحزن، وبضع نساء جميلات هجرنها.. كنت ألتقي بعضهن في الجامع الأموي، نجلس نراقب الغروب، ومئذنة العروس، أعترف أني كنت أعرف أن بعضهن لم يفهمن على الاطلاق لم الأموي، ولم المساء، إلا تلك التي وضعت رأسها على كتفي وأصرت على أن نعود مشيا إلى مخيم اليرموك، حيث أهلها هناك، والصراخ والتأنيب وربما الضرب.
وحدها من بين نساء دمشق، فهمت ذاكرة المكان، وعرفت أن عليها الدخول في ذكراه.
لم أقل لها شيئا عن الحب، ولم أحدثها عن براعة المدينة في ابتداع قصة حب ليس لها أشخاص، سوى قصيدة كتبها شاعر عابر ومضى بعيدا لئلا يصاب بحنين يزمن فيه.
فتاة أخرى، لم تعد تحب البيت، ولم يعد من في البيت يروقها، هجرته، خرجنا معا، وتأخر الوقت، أردت العودة، أرادت البقاء، وحينها عرفت منها، أن بينها وبين أهلها شقاق، حاولت اقناعها، رفضت وجلست بين "الأموي" ومقام صلاح الدين، إلى أن جاء الحارس الليلي للمكان، وطردنا معا، لم نجد مكانا إلا سور المسجد، وهديل الحمام، وخوفها من دمع أمها.. عدنا إلى مخيم اليرموك، وعادت دمشق وحيدة دون جنونها وجنوني..
آخر الجميلات تلك التي كنت أرافقها من المخيم إلى المسجد الأموي، لا لشيء إلا لنرسم في كل مرة على صخرة خلف "الأموي" اسم مدينة في فلسطين، تركها أجدادنا بحكم المجزرة.
والمجزرة امتدت لاحقا، لتنال من الحلم، من أي شيء يسمى فكرة، أو يسمى أو يكاد يسمى وطن..
تركنا دمشق، ولمصادفة وحيرة وأمنية، عدت إلى البلاد مرتين، ولم أرسم هناك اسم أي امرأة عرفتها..
لم أرسم هناك في رام الله، إلا اسم دمشق، وذيلت اسمها بـ "الشام حبيبة قلبي".
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين