الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 09 تموز 2015

وقفة عز .. يونانية

عدلي صادق

قال الشعب اليوناني كلمته، وهي لا، التي معناها رفض إملاءات من يسمونهم التقشفيين الأوروبيين، وعلى رأسهم المستشارة ميريكل. فهؤلاء أرادوا اجبار حكومة اليونان على أن تعزل عمالاً وتقطع الأرزاق، وأن تخفض أجور المتقاعدين، وأن ترفع الضرائب وأن تحيل حياة الناس الى شقاء. ويمكن القول، فيما الأزمة على أشدها، أن اليونانيين دخلوا المرحلة الثانية من عملية الدفاع عن خصوصيتهم الاقتصادية واستعدوا لمواجهة التحديات وسخروا من التهديدات. انتخبوا اليسار، ثم شحنوا الرأي العام للجواب السلبي الذي أسمعه اليونانيون للعالم. عندئذٍ تلطفت سريعاً مواقف فرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة من وراء المحيط. فقد رأى الأمريكيون أن الخطر جيوسياسي، على اعتبار أن محاولة حشر اليونان في الزاوية، والضغط عليها لكي ترضخ، من شأنه إقناع الشعب اليوناني بكل خيارات حكومته اليسارية والتحاق البلاد بمحور روسيا والصين والبرازيل، فضلاً عن الخسائر المتوقعة  للاقتصاد الأمريكي، باعتبار أن ما سيحدث هو بالمحصلة اضطراب في تكتل اليورو. لهذا السبب أجرى الرئيس أوباما محادثة هاتفية مع المستشارة ميريكل أثناء وجودها في اجتماع القادة الأوروبيين، وأبلغها أن الإدارة الأمريكية أصدرت بياناً أكدت فيه على أن إخراج اليونان من اليورو ليس أمراً مطروحاً، وقيل بعد المحادثة أن مريكيل بدت أقل تشنجاً حيال اليونان، لأنها وافقت أوباما على ضرورة التوصل الى اتفاق دائم، يسمح لليونان بمواصلة الاصلاحات، والعودة الى النمو، وتحقيق القدرة على تحمل الديون داخل منطقة اليورو!

غير أن المستشارة الألمانية، ظلت متطيرة من تسيبراس رئيس الوزراء اليوناني، ولا تطيق سماع صوته. ومنذ البداية، كانت أزمة اليونان في ناظر ممثلي الرأسمالية الأوروبية المتشددة؛ مجرد مشكلة "إصلاحات" ومعناها عندهم أن تُنفذ الحكومة اليونانية وصفة التقشف التي يقترحها صندوق النقد والمتشددون. وقد حاولت أثينا إقناعهم ببرامج إصلاح لا تطال العجزة والمتقاعدين ولا تقطع أرزاق الشغيلة ولا تصفّي القطاع الاقتصادي العام، لكن جواب الصقور كان دائماً إن هذا غير كافٍ. وكانت ردودهم تشكل الإهانة تلو الأخرى لكبرياء اليونانيين، لعل أقلها غلاظة اسماع الشعب اليوناني تعبيرات جارجة مثل:

"من يطلب الإنقاذ عليه الاستسلام للتقشف" وأن إنقاذ اليونان سيفتح الباب أمام دول مأزومة أخرى". وهذا بالنتيجة، هو الذي جعل تسيبراس، ينجح في حشد الشعب اليوناني لصالح موقفه، فرمي اللا، في وجه المتشددين الأوروبيين، ممهورة بتوقيع الجماهير.

ارتاح ألكسيس تسيبرراس الآن، حتى من مشقة الكلام، ولم يقدم أي مقترح في الاجتماع الأخير ولم يعرض عليهم شيء. أصبحوا هم يسعون الى حلول وسط. كان تقديره أنه لو تقدم بمقترحات وعرضها للنقاش، ستصبح الجلسة عبارة عن محاكمة لمفردات ما يقترح، لا سيما وأنه غير مقتنع، ولا يريد أن يقتنع، وربما لا يملك، أن يوافقهم على ما يريدون على النحو الذي من شأنه إشقاء حياة اليونانيين. ثم إن الرجل، رأى عن حق، إن العلة تكمن في المستوى السياسي الأعلى في أروريا، لذا فإن المخرج الذي يمثل حلاً، لا بد أن ينتج عن إرادة سياسية من برلين ومعسكرها، ولا فائدة من الغوص في التفصيلات الفنية قبل أن يُحسم الأمر سياسياً!

وكان البعض الأوروبي المتشدد، قد حاول جرجرة اليونان الى المتاهة الطويلة، بزعم أن الأزمة كلها محض فنيّة، وقابلة للحل سريعاً بتدابير فنية، فيما وضع اليونان المالي لا يحتمل الإطالة في المعالجة ويتطلب حسماً، إذ بات النظام المصرفي مشلولاً أو على وشك الانهيار، في حين يمتنع البنك المركزي الأوروبي عن زيادة ضخ أموال الطواريء لتعويض رؤوس الأموال الهاربة أو المذعورة!

القادة الأوروبيون في حال انعقاد، وأنشأوا دائرة مشاورات هاتفية، وسينكسر التشدد الرأسمالي ضد اليونان، لأنها اجتمعت على وقفة عِز.