عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 29 آذار 2016

تمارا حداد تبحث الحرية في لغة الأسر

جهاد أحمد صالح

 رام الله – الحياة الثقافية- تجربة السجن والاعتقال من أبرز ما يميّز الذاكرة الفلسطينية في عصرها الحديث، وخاصة في ظل الاحتلال الاسرائيلي الذي جعل منهما قضية تمس كل بيت فلسطيني، وتؤثر على الروابط الاجتماعية بدءً من الأسرة وانتهاء بالمجتمع الفلسطيني بأسره.

ذلك ما ارادته الكاتبة والناشطة في شؤون الأسرى "تمارا حداد" في كتابها "الحرية لن تصبح رماداً" ورغم تحفظي على أن الحرية لا يمكن أن تصبح رماداً، إلاّ أنني أقف حاسداً بقدرة الكاتبة على الوقوف خلف الحكايات التي ترويها عائلات الأسرى في اعتصاماتهم ومسيراتهم وفعالياتهم، فتتحول إلى روايات واضحة المضمون، سهلة التناول، لا تحكي قصة الأسير مع السجان والظلم الواقع عليه فقط، بل قصة ما تؤثر على قضية الأسرى، بأبعاد وطنية لما تنطوي عليه من أبعاد إنسانية وقانونية تنمو في تربة التضحيات، ليس فقط من جانب الأسير، بل ومن جانب المجتمع الطامح للحرية والاستقلال. تقف "تمارا حداد" في كتابها على جانب قلّ الذين كتبوا عنه، وهو تأثير الاعتقال على أسرة المعتقل، الأم، الأب، الزوجة، الابناء والأخوة. تلك الروايات التي تحتاج إلى مجلدات لوضعها في الذاكرة الشخصية والوطنية، اختصرتها الكاتبة، أو أشارت إليها، من جوانبها المتعددة، لتقول للعالم أوقفوا هذا الظلم الذي يعاني منه الفلسطينيون.

فتلك الأم التي باتت تشعر بفراغ القلب بعد أن أخذوا ابنها من أحضانها، وأودعوه السجن، فراحت مدفوعة بالأمل والكرامة، تروي حكايتها، فتحوّلت إلى ناشطة اجتماعية في شؤون الأسرى أمام مبنى الصليب الأحمر، وجمعيات حقوق الإنسان، وتروي الكاتبة – تمارا – عشرات الحكايات بألسن الأمهات يطالبن بالعدالة ورفع الظلم عن أبنائهن، ولكل واحدة رواية.

والأب، الذي يحالفه الحظ بأن لا يكون أسيراً، أو ذاك الذي انعم الاحتلال عليه بالسجن، يروي حكاية ابنه الأسير، من تاريخ اعتقاله، ويؤكد أن ثمن الحرية مجبول بالعرق والدم والتضحيات، ويطالب برفع الظلم عن إبنه، وتقديمه إلى محاكمة عادلة.

والأخ والأخت، اللذان لم يأت دورهما في الاعتقال في ظروف الاحتلال القائم على مصادرة كل حرية وكرامة مهما كانت ضئيلة، يطالبان بتحسين الظروف المعيشية لإخوانهم وأخواتهم الأسرى.

وتقف الكاتبة، والناشطة "تمارا حداد" موقف الاعتزاز بالنفس، مفاخرة، بأنه خلف القضبان توجد أربعون أسيرة فلسطينية يتحدين الاحتلال وجبروته، وتعددهم، واحدة تلو أخرى.

ومن هذه الزاوية بالذات، وجود المرأة في قضية السجون والاعتقال، تطرح الكاتبة حقيقة رائعة استخدمها بعض الأسرى وهم خلف القضبان، من اجل ثورة لحماية اسمائهم وأسماء آبائهم، في ثورة مفروضة على الفكر والإدارة في زمن الظلمة والاستبداد، فرغم الإجراءات الصعبة والحراسة، والمراقبة الشديدة، تمكن بعضهم من تهريب نطفهم إلى زوجاتهم من أجل اطفال يعطّرون مورد حياتهم، هذا ما كان بين الأسير عبد الكريم الريماوي خلف القضبان، وزوجته ليديا الريماوي القاطنة بيت ريما، التي اعادت لزوجها الحرية بإنجاب الطفل المعجزة "مجد"، وبنفس الطريقة أنجب الأسير محمود كعابنة طفلاً من زوجته. وتروي الكاتبة أيضاً قصصاً عن أمهات اعتقل الاحتلال من أبنائها أكثر من أسير، وإذا افرج عنه يعود لاعتقاله مرّة أخرى، واغرب ما ترويه أن "تحرير" إبنة الأسير بدران جابر من الخليل تقول: أن سلطات الاحتلال لم تكتف بسجن والدها، بل بسجن اخوانها الخمسة أيضاً، وهم: غسان وناصر ووديع ومجد وفادي في احكام مختلفة.

وتروي، الكاتبة أيضاً، أن بشرى الطويل درست الاعلام في الكلية العصرية الجامعية للدفاع عن والدها الأسير جمال محمد الطويل، رئيس بلدية البيرة الأسبق، فاعتقلت بطريقة منافية للأخلاق والإنسانية من قبل قوات الاحتلال.

كثيرة هي الروايات التي ساقتنا إليها الكاتبة "تمارا حداد" في كتابها "الحرية لن تصبح رماداً" لا تكفي المسافة الزمنية المتاحة لنا بذكر اسماء شخوصها وابطالها فقط، وبالأخص عن أمهات تحلين بالصبر، وحوّلنه بلسماً لمداواة جروحهن بانتظار الأمل القادم مع الحرية.

لكن السؤال، ونحن نبحث عن هويتنا، وكياننا الانساني والوطني، عن الجهة التي يمكن ان نتوجه بأسئلة الكاتبة الموجعة، وعشرات رواياتها المؤلمة، عن قضية الأسرى الفلسطينيين ومعاناتهم، التي كفلتها الشرائع السماوية والأرضية، التي أنكرتها اسرائيل صاحبة الديمقراطية في المنطقة، مهما تكن الإجابات فأن الأمل مفتاحنا إلى الحرية والاستقلال وستظل قضية السجون ومعاناتها من أولويات اهتماماتنا، ليس فقط عن طريق المفاوضات، بل وفي وجدان كياننا الحياتي والإنساني.

اشعر بالسعادة والفخر، في توجيه بعض الضوء إلى هذا الكتاب "الحرية لن تصبح رماداً" للكاتبة والناشطة "تمارا حداد".