عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 28 آذار 2016

قيمة الإنسان... بحذائهِ !

دينا سليم

سألتني صديقة أن أتخلى عن وقتي الثمين وأوافق على مرافقتها لمشاهدة فلم في السينما، حقيقة موضوع الفلم لم يرق لي ولا يطابق مزاجي، يتناول قصة خيالية عارية من الصحة وبعيدة جدا عن المنطق، بُعد السماء عن الأرض، ولكي لا أبدو متعجرفة في عينها قبلت الدعوة وذهبت معها.

 ولأني أعشق رياضة السير، أتحفظ من اقتناء الأحذية غير المريحة والباهظة الثمن أيضا، عكسها هي التي أهتمت أن تحتذي حذاء عاليا كلفها غاليا رغم حالتها المادية المتواضعة، صديقتي تهتم بمظهرها الخارجي رغم الخواء المميت الذي يحتويها.

كلما التقينا أتذكر مثلا فلسطينيا ( جخوا ولا تموتوا حزانى)، تريد أن تجخ وأن تبدو بمظهر الرخاء والترف، رغم عسر أحوالها المادية، فليكن لها ما تريده، فهي حرة!

 ولأنها لا تتقن موهبة السير، ولأن شوارع مدينة (بريزبن) مهيئة فقط للمشي الطويل، تُهنا في الطريق، مشينا سيرا على الأقدام وابتعدنا كثيرا عن دار الخيالة، وكنت واثقة أننا أضعنا هدفنا لولا أنها وبسبب عنادها استمررنا في اتجاه آخر، ناهيك عن الشمس الحارقة التي تمكنت مني وأكلت من بهاء بشرتي، أزالت حمرة شفتيّ، تعرقتُ وذبتُ مثل قطعة ثلج داخل كأس نبيذ، سال الكحل من عينيّ فتلطخت جفوني بالأسود.

خاطبتها:

-           المظاهر يا عزيزتي لا تليق بهذا الطقس الرطب، لماذا تهدرين مبالغ طائلة على الأحذية، هلا خلعت الحذاء من قدميك ومشيت حافية لكي نلحق بالفلم قبل أن يبدأ؟

-           لا بأس، لا بأس، أعدكِ أن أتعجل الخطا لكي نلحق بالفلم! أجابت

 

تمنعت من التخلص منه، أي الحذاء، رفضت أن تبدو مثل (ساندريلا) الجميلة، التي بسبب حذائها بحث عنها الأمير مطولا، ياه، كم أنا رومانسية، لو كنت مكانها لفعلت.

أخذت تتبختر على مهلها غير مكترثة، تذكرتُ فجأة حذاء أبا قاسم الطنبوري، أكيد تذكرونه، مع أن وجه الاختلاف شديد جدا، إذ أن الحذاء المذكور كان قديما ومهترءا، لكنه كان مصدر ازعاج صاحبه، حذاء صاحبتي بدأ يشكل الازعاج لي، هو السبب في اهدار وقتي الثمين ونفاذ صبري، هذه الإنسانة تسير ببطء شديد كالسلحفاة، والشمس تحرق ذراعيّ العاريتين، هذه الصديقة تعتمر قبعة الأميرة (ديانا) لتأخذ عمرها، بينما لا أعتمر سوى عين السماء، لماذا أهدرت يوما كاملا لدى مصفف الشعر؟ يا لخسارة الدولارات! كيف لي التخلص منه؟... ما علاقة حذاء الطنبوري بحذاء صديقتي، أكيد ضربتني أشعة الشمس وبدأت أهذي!

 

وعندما وصلنا السينما بعد تيه طويل كان الفلم قد أوشك على الانتهاء، فرحت كثيرا أني لم أشاهده، ضحكت في سري قائلة: يا لسخرية القدر، ولأنني جئت مرغمة تهنا فتأخرنا وحذاء صديقتي كان السبب؟

كل الذي اهتمت به هو أن تبحث لها عن مرآة في صالة السينما لكي تتفقد حذاءها المعيق، إن كان قد كساه الغبار أم لا، رحتُ أتساءل: ترى هل الحذاء يكشف عن شخصية منتعله، تلك المولعة بالمظاهر الكذابة دعتنا نعمل حماما شمسيا في العراء، صاحبة الحذاء أرضت غرورها فخسرنا اليوم بسبب حذائها المغرور، وأنا في حذائي المنخفض المتواضع أطوي المسافات معها كالبلهاء، وهي في حذائها العالي الثمين تسوقني حيث تريد، شكرت الله أن الإنسان يسير على قدمين اثنين فقط، وإلا لكلفتنا الأحذية الكثير، الكثير جدا...

مصيبة إن بدأنا نحسب قيمة الإنسان بقيمة حذائه، مصيبة كبيرة فعلا !