الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 08 تموز 2015

شيخنا ذو الإشراقة.

عبد السلام العابد

في شهر رمضان، تسترجع الذاكرة أيام الطفولة، وأسئلتها البريئة، فقد تفتحت عيناي, ونما إدراكي, ولاحظت أن شيخاً حكيما ذا ابتسامة ساحرة, ووجه بشوش, ولحية بيضاء هو الذي يؤم الناس في مسجد القرية, ويخطب فيهم, أيام الجمع والأعياد، والمناسبات الدينية والاجتماعية. كان ذلك الشيخ موضع ثقة الأهالي ومحبتهم واحترامهم, وكان يتبوأ مكانة مرموقة في نفوسهم.

في خطبه، كان يدعو للمحبة والألفة والتسامح, ويزرع بذور الخير والفضيلة في نفوس المواطنين, ولم يجعل من المسجد مكانا، لتوجيه السباب والشتائم للآخرين, أو لبث نوازع الحقد والكره والضغينة، أو أن يدعو إلى حزب معين, ويوجه سهام نقده لكل منْ يخالف هذا الحزب.

منذ نعومة أظفاري, أدركت أهمية هذه الشخصية الدينية المشبعة بالإيمان والسماحة, وثمّنت الدور العظيم الذي يلعبه شيخنا الجليل. وكثيراً ما كان يراودني سؤال طفوليّ بريء هو: منْ سيحل مكان هذا الشيخ, إذا ما مات لا سمح الله أو أصابه مكروه؟ حملت سؤالي, ووجهته إلى والدي, فضحك كثيراً وقال: سيجيب عن سؤالك الإمام نفسه, حيث سيزورنا هذه الليلة.

فرحت لزيارة الإمام, وبينما كان جالساً في صدر العقد, قال والدي: هل تعرف الأمر الذي يحيّر هذا الفتى الصغير يا شيخ ؟. إنه يتساءل: إذا مات عمي الشيخ من يأتي بعده ؟ ليلتها, ضحك من أعماق قلبه, وبانت أسنانه البيضاء التي تشبه حبات البرد، وقال: إذا مات جدك الشيخ يأتي آخر، ويتابع المسيرة.

وكبرت, وظل إمامنا يواصل أداء رسالته الدينية السمحة القائمة، على الدعوة إلى الإيمان بالله العظيم, وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، خيره وشره, ويؤكد على أركان الإسلام الخمسة وهي: الشهادتان والصلاة والصوم والزكاة والحج. وختم حياته، وهو يركز على حرمة الاقتتال، وإراقة الدماء، ويحث على المحبة والتآخي، والوحدة، والثبات في الوطن, والاستقامة، وأداء الواجبات والحقوق، ونبذ العصبية والتزمت، وضيق الأفق، و محاربة الظلم والطغيان ونوازع الشر والخلافات. فهل يتساوى هذا النموذج الرائع, مع الأدعياء الذين ينفثون الأحقاد، ويسفكون الدماء، ويمزقون البلاد، ويرهبون العباد؟!.