الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 08 تموز 2015

الفلسطيني رياض بيدس ومجموعته القصصية: "المحو"

احمد دحبور

كمن يكتشف لقية جميلة، عثرت على كتاب رياض بيدس هذا وهو مجموعة قصصية من شفاعمرو واذا لم تكن الجغرافيا شرطا للمعرفة، فان المعرفة هذه المرة تكاد تمسني شخصيا، فأنا ابن حيفا التي تقف شفاعمرو أختا لها في امتداد الأرض والروح، اما الكاتب الشفاعمري رياض بيدس فقد اثار اهتمامي منذ ان قرأت مجموعته القصصية "تخطيطات اولية" وهذا المولود عام 1960 هو الذي توجه من مسقط رأسه في شفاعمرو الى حيفا حيث درس الادب العربي في جامعتها، ونشر بعض نتاجه في صحيفتها الشهيرة "الاتحاد" وفي مجلة "الجديد" وشقيقتها "المشرق" وله عدد من المجموعات القصصية منها "الجوع والجبل" و"تخطيطات اولية" و"الريح" و"شباك فان كوخ الاصفر" و"حوار الشرفات" كما اصدر حتى الآن روايتين هما "الهامشي" و"باط بوط" والعنوان الاخير يحاكي بشكل فاتنازي عنوان كتاب الاطفال الشهير في فلسطين باسم "راس روس" وانها لحصيلة تبعث على الاعجاب هذه المجموعة من الاعمال القصصية للكاتب ظهرت موهبته منذ بزوغه في الوسط الادبي داخل فلسطين، حيث يواصل الكتابة الابداعية منذ ما يزيد على ثلاثة عقود من الزمن، متألقا بشبابه الذي تجاوز الخمسين ولا يزال في اوج العطاء..

اما مجموعته "المحو" هذه فتقوم على سبع عشرة قصة قصيرة تدعم مشروعه السردي الذي حقق حضورا لافتا في الوسط العربي الفلسطيني، وهو ما تأكد عربيا فور وصول هذا الصوت الدرامي اليانع الى الساحات المحيطة المتشوقة الى هذا النوع من الاقلام العربية.

يوم التقينا اول مرة، شعرت بهواء الجليل يلفح وجهي ويتسلل الى مزاجي، وكان علي ان اتكلم معه كمن يواصل حوارا، تلك هي الشخصية الجليلية المعروفة بألفتها وعفويتها، حتى اذا قرأت قصصه أو بعضها، اعطيت نفسك الحق في ان تصبح صاحبه، فما بالك اذا تذكرت انه من شفاعمرو، جارة حيفا وشريكتها في لقب الجليل العربي؟ انه هو.. رياض حنا الياس بيدس، بشحمه ولحمه وقلمه المتميز، وما عليك الا ان تشتبك مع قصصه القصيرة حتى تعبق روحك برائحة الجليل، ومن يعرف الجليل حقا يدرك ان هذا ليس بالقليل.

ولرياض بيدس، المولود عام 1960 زهاء عشر مجموعات قصصية ذكر منها "الجوع والجبل – الريح، تخطيطات اولية – شباك فان كوخ الاصفر – حوار الشرفات" وهذه التي امامي وعنوانها "المحو" كما انه له روايتان هما "الهامشي" و"باط بوط" وما يمكن ان يكون قد كتبه مؤخرا فهو غزير الانتاج، مع الحرص على النوعية والمستوى.

هذه القصص

اما مجموعته هذه – المحو – فهي تتشكل من سبع عشرة قصة قصيرة كافية لاعطاء فكرة عن مقتربه السردي وقدرته على التنوع في اطار من الجدل البهيج بين القص وثراء المحاور الفنية، حتى لتدرك سعة رؤياه الروائية قبل ان تطل على روايتيه المنشورتين، بل ان مشروعه السردي يشكل، اذا استعرنا لغة التشكيل، جدارية شاسعة تؤكد مكانه ومكانته في البيت الدرامي الفلسطيني والعربي.. ولأن الماء يكذب الغطاس كما يقال في امثالنا، فلنذهب الى ماء رياض بيدس القصصي لننهل من مجموعته ذات العنوان المكثف: المحو، فماذا نرى؟؟

في القصة الاولى – وعنوانها "هدية" – يعود الرجل، او المواطن، او الذي هو، الى بيته واسرته، فيكتشف انه ضل الطريق وما عليه الا ان يبحث عن العنوان الذي لا يجوز ان يكون قد نسيه او امحى من ذاكرته.

وضمن هذا الجو القاتم الذي يذكرنا بقصص كافكا، يظل يتخبط حتى يصل.. ولكن هل وصل حقا؟

وما هو تفسيره لضياعه الجزئي وهو الذي ينوء بحمل هدية الى اصحاب البيت الذي يقصد؟ ام ان الهدية هي رمز شاحب لانتماء مكدود الى عالم حميم لا يجوز ان يضيع؟ لقد كان ضياعه وعدم قدرته على تمييز بيته، صدمة تستحق سؤالا من نوع: هل يوجد احد قادر على ابتلاع هذه الكميات من الصدمات والبقاء ثابتا في كامل وعيه؟ ومع ان الكاتب يفرج عن بطله الضائع لكن السؤال يظل قائما ومحرجا هل يضيع احد عن طريق بيته؟ واين كان حتى ضاع؟ ثم ماذا..

اما القصة الثانية، وعنوانها "اسكان" فهي نص رسالة من مواطن فلسطيني في الداخل، موجهة الى وزير الاسكان، وفيها افاضة بالمفارقة، حيث ان وزارة الاسكان تلك انما هي قائمة للانتقاص من مواطنة كاتب الرسالة، وبالتالي من حقه التاريخي في السكن، صحيح انه يسكن بيتا ويملك بطاقة تعريف، لكن منظومة العلاقات والقوانين التي تحيط به، تدفعه – وان لم يصرح بذلك مباشرة – الى الشعور بأنه زائد عن الحاجة، واذا كان هذا الاشكال متعلقا بالاسكان فماذا سيكون الامر عندما يتعلق بالمواطنة؟ خطورة هذه الرسالة – القصة، انها تقول من غير ان تقول، واللبيب يفهم من الاشارة. فهي كثير على كاتب هذه الرسالة، وهو الفلسطيني ابن البلاد ان يعتبر نفسه مواطنا؟ ان حقه في السكن واضح كنور الشمس، ولكن متى كانت هذه العلاقة محكومة بالحقوق أو محمية بها؟ ان وزير الاسكان، بما يمثل ومن يمثل، هو الذي يملك الحق، لكن هل يستطيع اي كان ان يحجب عن المواطن حقه في انه ابن هذا الوطن؟ سؤال لا ينتظر جوابا من وزير الاسكان، لكنه يظل قائما برسم التاريخ!!

اما القصة التالية فهي ذات عنوان طويل نسبيا: "وجبة من حياة بلدوزر اسرائيلي متكدر" وهي قصة فانتازية سوداء بما هي بوح من بلدوزر متكدر، لانه سئم تجريف اراضي الفلسطينيين مما أغضب زميله البلدوزر المتهور الذي يرى تجريف الارض الفلسطينية واجبا وطنيا اسرائيليا! وبعد جدل طريف بين البلدوزرات لا يستطيع البلدوزر المتكدر اثبات وجهة نظره، لأن المنطق العام لبقية البلدوزرات ينتصر لتجريف الارض الفلسطينية، وهكذا ينال ذلك البلدوزر المتهور عقابه فتنغص عليه البلدوزرات ويكتم صوته الى الابد!!

اما قصته "شرخ" فتضعنا وجها لوجه امام اشكال سيكلوجي، حيث يتساءل بطل القصة وراويها ما اذا كانت امرأته تحبه حقا، مع انه – من وجهة نظره الملتبسة – يعتبر نفسه سيئ الطالع، وحظه من الدنيا الا يحبه الناس، وبعد ان يصرف خمس عشرة صفحة على هذا القلق العصابي، نرى انه لم يقنعنا بأنه غير محظوظ، فالدنيا ملأى بالمشكلات والقلق ولكن هذا لا يكفي ليتورط في تلك النظرة السوداء، مع اننا كقراء نأخذ بعين الاعتبار تلك الكلمة الوحيدة التي وضعها عنوانا للقصة، وهي: شرخ، فهل الشرخ نتيجة حالة فصامية ام انه مجرد زفرة ضجر يطلقها احتجاجا على عالمه المحدود؟ لقد نجحت القصة في ان تضع القارئ وجها لوجه امام نوع من الرضوض النفسية التي نأمل ان نتبين اسبابها خلال متابعة هذه القصص، والا فنحن ازاء نوع من العصاب فهل سيمنحنا المفتاح للولوج الى عالمه الداخلي حتى تكتشف دهاليزه الخبيئة؟ هذا ما نحاول ان نراه في بقية قصص المجموعة..

ماذا عن بريخت؟

ويحب رياض ان يجمع الدهشة الى التمتع بما يسمى لذة النص، فيكتب قصة "بريخت في نومته الابدية" واصفا اياها بأنها مزحة من مشهد واحد، وهو في هذا المشهد يوفد ملاكا الى المسرحي الالماني الشهير برتولد بريخت فيوقظه ويجري معه حوارا طريفا، وهو يؤكد اعجاب رياض بالعبقري الالماني، فهو اذ يعيد ايقاظه لا يعمد، كما في هذا النوع من القصص الفانتازية، الى مراجعة تجربة بريخت، بل هو يجدد ثناءه على هذه القامة المسرحية التي احدثت حركة نوعية في مسار المسرح، ويستعير من حياة بريخت الشخصية اشارة الى هيلينا فايفل رفيقة عمر بريخت، وقد لا تضيف هذه القصة كثيرا الى عالم بريخت، لكن مجرد اهتمام رياض بهذا الكاتب الذي اخذ المسرح على حال وتركه على حال، هو حركة اشبه بالانتفاضة الاحيائية لكاتب أحدث زلزالا ايجابيا في مسيرة المسرح، حيث جعل الحياة المعيشة تحاور الشخصيات المكتوبة، بنوع من المراجعة الجذرية لمعظم القوانين التي تحكم عالمنا الراهن، صحيح انها قصة نخبة ولكن قدر الادب المتجدد ان يكون نخبويا بقدر ما هو طليعي.

ويمضي رياض في تجواله الفانتازي حتى يضعنا امام يهودية اشكنازية تصطدم بحنظلة، شخصية ناجي العلي الخالدة والمشهورة، تتأفف الاشكنازية من مجرد وجود حنظلة الذي لا يبالي بعنصريتها وادعائها، فيما يبدو حنظلة وهو مكتوب شبيها بحنظلة المرسوم، واذا كان الاخير يظهر في رسوم ناجي العلي وهو يدير ظهره للعالم المزيف، فانه هنا يكتفي بعدم التعليق، كأنما مجرد مروره على هذا المشهد العنصري هو نوع من التعليق الصامت الذي يبدو – كما في رسوم ناجي العلي – ابلغ من اي كلام.. حتى اذا وصلت الى قصته "طرطقات نعالهن، فوجئت بغياب الحدث وحضور الحالة، فالراوي عبارة عن اعصاب مستفزة متنبهة لاصوات النعال النسوية على الرصيف، والحركة الداخلية في هذا المشهد الرتيب قائمة على ما يمكن ان يتخيله القارئ – ولا بأس في ان يكون ذلك القارئ مراهقا – لينتهي المشهد من غير حادثة تذكر الا من صدى نفسي نجحت القصة المستفزة في احداثه، وتنتشر على مدى بصري قصة من ثلاثين صفحة عنوانها "ثلج" وهي لا قصة ولا يحزنون بل تسجيل امين لرحلة او نزهة عاشها الراوي وهو في حافلة تقلّه الى مكان جديد في النمسا ليس في الامر مقاربة، ولكن الحالة تفرض حضورها على قارئ مثلي فتنشأ في رأسي مقارنة بين هذه البلاد الآسرة وبين بلادي! صحيح ان الكاتب لا يشير الى الثلج الذي جعله عنوانا لقصته، ولكن صفاء الثلج البارد الذي رآه هناك، سرعان ما انعكس على القراءة فرحت اسرح مع ذلك العالم الاول المزين برسوم الجريكو، واستعيد حضوري في هذه البلاد التي يكفيني انها بلادي.. وانني بها لفخور..

نذهب الى البحر

وتتسع مجموعة رياض بيدس هذه لقصة عنقودية تتركب من حبات متناثرة لتصوير واقع الحال، وتزدحم العناوين الفرعية لتشكل بمجموعها قصة عبثية، لا تعبيرا عن عبث الكاتب، بل عن عبث الحياة نفسها بما تحمله من مفارقات واشكالات تكتظ في رأس الفلسطيني المجهد الذي لا يرى هذا كله، وينجح في ألا يصاب بالجنون، وليست قصة "مقطع من حوار" الا شريحة وجودية اذا جاز التعبير من حياة فلسطينية عاثرة مع انها حياة موجودة داخل هذه الفلسطين!!

من هنا وهناك

اذا تعود بعض الصحفيين على التقاط ملاحظة من هنا وتعليق من هناك، فان قصة رياض بيدس معنية بأن تكون من هنا وهنا، لا بمعنى اغراقها في المحلية، بل بتوجيه المقترب الفني الى ملامسة الشأن القريب أو الدخول فيه، فعلى سبيل المثال، تتركب قصته "عن التشذيب والتهذيب والتعليب" من بضعة مقاطع قد تصل الى سبعة، واذا كانت هذه المقاطع مسحوبة من ملاحظات متفرقة يبديها تجاه الحياة والمحيط، فإن هذا المقاطع تتراكم حتى ينشأ عنها بناء نوعي، واذا كان هذا تعبيرا كبيرا بالنسبة الى قصة قصيرة، فإن طبيعة هذه المقاطع سرعان ما تتحول الى عناصر درامية غير مباشرة، فما الذي يجمع الكمبيوتر، الى وجبة الطعام، الى الاجماع في حسنات الكمبيوتر، الى الطبخ على طريقة المؤلف، الى شتات من هنا وهناك، الى المزاج الشخصي، الى الاستشهاد ببرتولد بريخت.. انها وجبة مقاطع تتراكم كطبيخ الفقراء حيث تجمع الطاهية المدبرة عناصر غير متجانسة من الطعام لتنهيها الى وجبة مركّبة لا تخلو من مذاق الطرافة، واذا سمحت القصة في بنائها الحديث بهذا التنوع فلأن القاص المدبر قادر على ايجاد ناظم مشترك بين هذه العناصر المتباينة، يساعده على ذلك دمج اللحظة الواقعية في الفكرة المجردة على ان يقود كلا من اللحظة والفكرة كاتب متمرس يجيد التعامل مع "كمبيوتره الديمقراطي" اجادته التعامل مع مزاجه الملتهب، لينتهي الى خلاصة فانتازية يستلفها من فكرة لبريخت، واذا كان في عنوان هذه القصة اشارة الى التشذيب، فدعونا نذكر ان العنوان العام للمجموعة هو "المحو" والمحو – لو ندري – عنصر ضروري في عملية الكتابة..

على الرصيف

وتأخذ قصة "داو بانغ وكي بو" طابع المشهد المسرحي، بل ان الكاتب نفسه يصف هذه القصة بأنها مشهد والمشهد عبارة عن مكان افتراضي يلتقي فيه الصديقان امجد وفؤاد الذي يحمل خبرا مفرحا، فقد قرأ ان السلام قادم، وهو يطلب من صديقه امجد ان يشاركه فرحة السلام، لنكتشف بعد احدى عشرة صفحة من وهم السلام الذي يغمر امجد ويفرح قلبه ان السلام سوف يسود ثم يكتشف القارئ ان السلام المذكور، قد يكون في احسن الحالات مجرد رغبة في رأس امجد، اما المتوفر الموجود فهو ان السلام صار في بلاد أخرى، واذا توفرت لهما بعض السجائر ليدخناها فليس امامهما الا الركض وراء سراب السلام او سراب اي امر يخطر لهما!!

وأصل الى القصة الاخيرة في المجموعة وهي "شكوى كلب" لاسجل انها من اطرف القصص التي قرأت فهي شكوى صادقة من كلب امين، يعاني من مرض يسميه الكاتب بـ "الفاسوق" وانا الذي لا اعرف لهذا الفاسوق اصلا لغويا، اتكئ على ظل معناه فهو يوحي بالفسوق بمعنى انه شرير، وقد جعل الكاتب هذا المرض نوعا من الحكة الجلدية التي تسيطر على من يصاب بها فهو لا يستطيع التوازن او الاتيان بفكرة واحدة متماسكة. والحق اننا معشر البشر، قد نصاب احيانا بهذا الفاسوق الغامض بوصفه مرضا داخليا لم تتسبب به جرثومة وانما هو نوع من العصاب الذي يحملنا على الشكوى مما لا ندري، وقديما شاع نوع من السرديات يتعلق بداء غامض لا يجد الطب له تفسيرا، وربما كان نجيب محفوظ في اواخر اعماله من الادباء الذي تميزوا بهذا النوع من الكتابة، فهو اشبه بجرس انذار يحذرنا مما لا نحيط به من ألم ومخاوف ووسواس، ولم نبتعد؟ أليس عنوان هذه المجموعة هو "المحو" اي انه نقيض الكتابة او الكلام فهو تحذير مما نقول ونكتب وما قد نفكر فيه ومع ان لغة رياض بيدس بعيدة عن الهواجس والوساوس الا انها تعترف بالقلق العميق الذي يشوش انساننا المعاصر، ربما بسبب ازدحام عناصر المعرفة، وربما بسبب حاجتنا الى المزيد من هذه العناصر، حتى لاتساءل ما اذا كان المحو المقصود هو حذف لبعض ما نعرف او نعلم، ام هو استدراج لحاستنا المعرفية حتى تعيد حساباتنا بما يحيط بنا من الغاز هذا العالم، ولا ادري ما اذا كان هناك بعض التزيد اذا ذهبت الى ان هذا الارق الذي يبديه رياض، هو رد فعل على اقامته في وطنه وكأنه ابن اقلية في الوقت الذي يستحوذ فيه الغرباء على المكان والمقدرات وبعبارة:  هذه مجموعة تنفرد بخصوصية نادرة.