عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 04 تشرين الأول 2026

الكتب.. ثروة الذهب!

تغريدة الصباح- حسن حميد

فيما مضى، كانت العرب تتباهى بالكتب، والنساخ، والمترجمين، وصنّاع الكتب، مثلما كانت تتباهى بالنقاد، والشعراء، وأهل الخطابة، والبلاغة، وعلوم اللغة عامة، فجعلت لها المواسم التي لا تنتهي إلا بالخلاصات الثقال التي كانت ترسم رؤى لتطوير الثقافة، وبكل وجوهها، وما تسعى إليه من أحلام وطموحات!

وكان أهل الإغريق، وأهل البحار عمومًا، وأهل مصر، يفرحون بمواسم الكتب ويسمونها أعيادًا، وقد كانت ظاهرة اجتماعية تهم كل بيت، وكل حي في المدائن الإغريقية والمصرية، فتزدحم الأروقة، والخيام، والعرائش، والدور بالكتب المنشورة أمام أنظار الناس، وكانت تحمل إلى البيوت؛ لأنهم عدّوا وجود الكتب في البيوت نعمة باركتها الآلهة. وقد كانت مواسم الكتب، وهي مواسم ثقافية، تلخص قيمة المعرفة ودورها، وتكشف عن موضوعات جديدة، وتوجهات جديدة، وأسماء جديدة حالفها الحظ فكانت من أهل المواهب الجديرة بالتظهير. وقد كانت القبائل، في أحيازها الجغرافية المتباعدة، تتباهى بأبنائها الذين حظيوا بالتقريظ والثناء، فنالوا المعروفية والشهرة بين أهل الإبداع والمعرفة؛ لأن هؤلاء المحظوظين بالموهبة هم سياج القبيلة، وهم حراس قيمها، وهم عقلها ولسانها.. وجهة الإعلام فيها.

كما كانت مواسم الكتب روحًا جاذبة لمواسم أخرى، وغالبيتها مواسم اقتصادية توازي في أهميتها وحضورها أهمية الكتب وحضورها، وكان السؤال يدور في هذه المواسم ليس حول كتاب فلان، أو مدونة فلان، سواء كان منسوخًا أو محفوظًا في الذاكرة، وحسب، وإنما كان السؤال يدور حول الحياة عامة، ومنها الحياة الاجتماعية، وما فيها من عادات وتقاليد وأعراف وتصورات، وبذلك كان الكتاب بوابة يدخلها المرء ليعرف المجتمعات الأخرى، وما تحرص عليه من قيم، واهتمامات، وما تتشوف إليه من رغبات وأحلام.

وقد كانت مواسم الكتب، وفي كل عام، تخص أديبًا أو خطيبًا أو كاتبًا أو شاعرًا.. بالحظوة والمكانة، ليكون هو نجمة الموسم، فيدور الحديث عنه حتى تدرك أهمية ما كتب، وأنشد، ورأى، وكانت بعض كتاباته تنسخ مرة أخرى خلال أيام العرض، وتعلّق أو توزّع أو تقتنى، وكان النساخ يلزمون عرشهم وخيامهم، وهي مجاورة للعرش والخيام التي تعرض فيها الكتب المنسوخة، مثلما كان أهل صناعة الكتابة يعرضون أدوات الكتابة ومستلزماتها من أوراق، وأحبار، ورقع، ورياش، وأقلام. وبذلك رافقت المعرفة المبثوثة في الكتب صناعة الكتاب، بدءًا من صورتها على شكل مخطوطة، أو صورتها المحفوظة في الذاكرة، إلى نسخ الكتاب ليصير جاهزًا ومتاحًا للتداول والاقتناء، وهذه صنعة ستحيط بها صفات، منها الاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية، والإعلامية.. التي تنشر الأخبار والمرويات حول الكتب المهمة المتوافرة، أو النصوص المهمة التي تنسخ توًّا في أيام مواسم الكتب لدى النساخ، فور أن يبوح بها أصحابها!

أما أخبار مواسم الكتب وعناوينها، فكانت محمولة على ألسنة التجار وهم يتنقلون ببضائعهم من مكان إلى آخر؛ لهذا ما كانت مواسم الكتب العربية خاصة بأبناء العرب وحدهم، بل كان يأتي إليها المهتمون بالكتاب من كل أنحاء الدنيا، من عجم وروم وأعراق مختلفة، وهؤلاء كانوا يأتون عبر قوافل، وهم يحملون كتبهم المكتوبة بلغات بلادهم، فتصير هذه الكتب فضاءً للترجمة، وفضاءً للتآخي، والتآلف، والتعارف، وسعيًا لبناء صرح ثقافي إبداعي عالمي، يقوم على مفهوم المثاقفة.

أقول كل هذا، وأنا أرى حال معارض الكتب في أيامنا الراهنة، وقد اقتصرت على بعض جوانب الأهمية المرادة من هذه المواسم، وأبداها هو الجانب الاقتصادي، أي البيع والشراء، بوصف الكتاب سلعة للتسويق والتجارة، وحول هذا البعد الاقتصادي يدور السؤال الأكثر علواً في معارض الكتب، فمريدو الكتاب يريدون الكتاب بثمن أقل مما تطلبه دور النشر، ودور النشر تسعى إلى الربح من خلال هذه السوق الثقافية المهمة المفتوحة في هذا البلد أو ذاك، وهي تشتكي من غلاء صناعة الكتاب، وهي محقة، وتؤكد بأن هذا الربح من وراء بيع الكتاب سيوظف لتطوير الثقافة، وإعلاء شأن الإبداع حين تطبع الكتب الجديدة، وهي محقة أيضًا، والبادي هو أن دور النشر، والكتب، والمبدعين، والمثقفين.. هم من أهل الحضور الكبير من بين رواد معارض الكتب؛ لأن الكاتب يسعى إلى نشر مؤلفاته في هذا الدار المزدهرة، صاحبة الاسم والشهرة، ودور النشر تسعى باحثة عن أعلام الكتابة والإبداع لتستحوذ عليهم، ليكون لها الحظوة في عيون أهل النقد، والإعلام، والجوائز الكثيرة، متعددة الاهتمامات والتخصصات والتوجهات.

وكل هذا مهم وضروري، بل جوهري لتفعيل العلاقة ما بين ثلاثة أطراف تتمثل بالكاتب، وصناعة الكتب، ومقتنيها، ومن أجل هذا التفعيل لا بد من تعزيز الاهتمام بهذه الأطراف الثلاثة ورعايتها وحمايتها، والسؤال عنها؛ لأننا نرى، وفي كل موسم لمعارض الكتب، اختفاء دور نشر كانت موجودة أو معروفة، أما سبب غيابها فلا أحد يسأل عنه، وهو في الغالب الأعم سبب اقتصادي؛ ونرى أيضًا غياب أسماء أدبية معروفة ومشهورة عن معارض الكتب، أما الأسباب فهي كثيرة، ولعل أبداها هو أن هذه الأسماء لم تُدعَ لحضور فعاليات معارض الكتب، ونرى أيضًا أن القدرة الشرائية لرواد المعارض باتت متدنية جدًا؛ لأن الإمكانيات الاقتصادية باتت مهمومة بالشأن المعيشي؛ لهذا لا بد من الاهتمام والرعاية والسؤال عن هذا الثالوث الذي يقف وراء الإبداع وتجلياته، والمثاقفة وأهميتها مع الآخرين.

أمر آخر يُلحظ غيابه أيضًا في أجندات المشرفين على معارض الكتب، وهو المتمثل في عدم اختيار نجم إبداعي صاحب امتياز وحضور ومكانة، ليكون علامة شارقة من علامات معارض الكتب، وهو أمر على غاية من الأهمية؛ لأن الكتاب والمبدعين لهم قلوب أطفال، يعيشون حياتهم كما يعيش الأطفال حياتهم، فهم بحاجة إلى رعاية واهتمام وسؤال عن فعلهم الكتابي والإبداعي، لهذا فإن التعزيز هنا ضروري جدًا؛ لأن الكاتب المبدع بحاجة لأن يكون خبرًا طالعًا في هذا المعرض أو ذاك، وهذا التقدير سيكون هو مرجعية لأعماله وإبداعاته الجديدة، والمحفز لها.

بلى، معارض الكتب هي ثروة الذهب الحقيقي، وهي مرآة الثقافة لكل حيز جغرافي، وكل مجتمع، إنها مرآة تتجلى فيها خصوبة الإبداع، وحذق الصناعة، وعشق المعرفة، وجمال المثاقفة!

Hasanhamid5656@gmail.com