عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » نيابة وقضاء »
تاريخ النشر: 29 أيلول 2026

من "السرديات" و"الحافة" إلى التتويج.. وصال أبو عليا تمنح الكلمة حياة أخرى

صوت من فلسطين يكتب ما لا تقوله الصورة حين يصبح الميكروفون امتدادًا للقصيدة

رام الله- الحياة الجديدة- عبير البرغوثي- بين الميكروفون والقصيدة، تمضي الإعلامية والشاعرة الفلسطينية وصال أبو عليا في تجربة تحاول فيها أن تمنح الكلمة أكثر من وظيفة؛ أن تكون خبرًا حين يحتاج الحدث إلى شهادة، وقصيدة حين يعجز الخبر عن الوصول إلى أعماق الإنسان، وذاكرة حين يهدد النسيان بابتلاع التفاصيل.

جاء تتويجها مؤخرًا بالجائزة الثانية في فئة البرامج الثقافية عن برنامجها الإذاعي "نص على الحافة"، الذي تعده وتقدمه عبر صوت فلسطين، ضمن الدورة السادسة والعشرين من المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون في تونس، ليشكل محطة جديدة في مسيرة إعلامية وثقافية تجمع بين الصحافة والإذاعة والشعر والكتابة.

لم يكن التتويج بالنسبة إلى أبو عليا مجرد جائزة عن برنامج إذاعي، بل اعتراف بفكرة حاولت من خلالها الاقتراب من الشعر العربي المعاصر الذي وُلد تحت وطأة الحروب، ومن أصوات شعراء يكتبون في اللحظة التي يبدو فيها الموت أقرب من الحياة، ويحاولون مع ذلك حماية ما تبقى من المعنى والذاكرة.

 

حين لا يعود الخبر كافيًا

تنظر أبو عليا إلى تجربتها الإعلامية والشعرية باعتبارهما مسارين متوازيين، لا يتقدم أحدهما على الآخر. تقول لـ "الحياة الجديدة": إن الإعلامية في داخلها تبحث عن الحقيقة كما حدثت؛ عن المكان والزمان والشخص والشهادة، بينما تذهب الشاعرة إلى ما بعد الحقيقة المباشرة، لتسأل: ماذا يفعل الحدث بالإنسان؟ وماذا يبقى منه حين ينتهي الخبر؟

ومن هنا، لا تستطيع التعامل مع الإنسان باعتباره خبرًا مكتملًا. فحين يقول الخبر إن مواطنًا استشهد، تظل أسئلتها مفتوحة حول الإنسان الذي كانه قبل أن يصبح خبرًا: ماذا كان يحب؟ ماذا كان يحلم؟ من كان ينتظره في البيت؟ وما التفاصيل الصغيرة التي قد تختفي إلى الأبد إذا اقتصر التوثيق على لحظة استشهاده؟

هذه الرؤية هي التي قادتها إلى "نص على الحافة"، وإلى تجربتها الصحفية في سلسلة "سرديات ما لا يكتب في محاضر الجنود". في العملين معًا، تبحث عن الإنسان خلف الحدث، وعن الحكاية التي قد لا تجد طريقها إلى العناوين.

وترى أن الصحافة لا ينبغي أن تحفظ ما حدث فقط، بل أن تحفظ أيضًا "من كنا ونحن نمر بما حدث". وفي هذه النقطة تحديدًا، تلتقي الصحافة بالشعر في مقاومة اختزال الإنسان.

 

"الحافة".. بين الموت والمعنى

من هنا جاءت فكرة البرنامج، الذي ينطلق من سؤال يبدو بسيطًا لكنه يقود إلى أسئلة أكثر اتساعًا: ماذا يفعل الشعر حين يصبح الموت يوميًا؟ وكيف تستطيع الكلمة أن تواجه واقعًا يحاول اختزال الإنسان في رقم، والمدينة في ركام، والذاكرة في خبر عابر؟

بالنسبة إلى أبو عليا، الحافة ليست فقط المسافة بين الموت والحياة، بل المنطقة الفاصلة بين الحدث ومعناه، وبين ما يحدث أمام العين وما يبقى منه في روح الإنسان. وهي أيضًا المسافة بين أن تروي قصة شخص وأن تختصره، من حيث لا تقصد، في لحظة واحدة من حياته.

وتقول إن خلف كل موت حياة كاملة، وخلف كل بيت يهدم ذاكرة، وخلف كل اسم في قائمة أسماء وجه وصوت وأحلام. لذلك حاول البرنامج أن يقترب من الألم من دون أن يستثمر فيه، وأن يوثق من دون أن يفقد الإنسان داخل التوثيق.

لم يتوقف "نص على الحافة" عند القصيدة بوصفها نصًا أدبيًا، بل ذهب إلى الإنسان الذي يكتبها، وإلى الخوف والرغبة في الحياة، وإلى الشعر باعتباره شكلًا من أشكال النجاة وشهادة على ما لا تستطيع الكاميرا دائمًا أن تراه.

الشعر المكتوب تحت القصف، في رؤيتها، لا يبحث عن الجمال بمعناه المجرد، وإنما يحاول استرداد المعنى من بين أنقاضه وحماية الذاكرة من أن تبتلعها كثافة الموت. وحين تتنفس القصيدة تحت القصف، تصبح الكلمة، بالنسبة إليها، "طريقة أخرى للبقاء".

 

ما لا تكتبه محاضر الجنود

هذا الانحياز إلى التفاصيل الإنسانية لا يتوقف عند تجربتها الإذاعية، بل يمتد إلى مشروعها الأدبي "سرديات ما لا يكتب في محاضر الجنود"، الذي تقترب فيه من الحياة اليومية في قرية المغير، بعيدًا عن اللغة التي تختزل المكان في الاقتحام والاعتداء ومحاولات الاقتلاع والتهجير.

تبحث السلسلة، كما تقول لـ "الحياة الجديدة"، عما يسقط عادة من محاضر الحرب: أحلام أطفال القرية وشبابها، المدرسة، كرة القدم، الأشجار، الأمهات، تفاصيل الانتظار والخوف، والبيوت التي لا تزال تحتفظ بأشياء أصحابها.

قد يبدو كرسي طفل فارغًا في مدرسة أو قميص رياضي ينتظر صاحبه أو أم تفتح هاتفها بحثًا عن خبر يطمئنها تفصيلًا صغيرًا أمام حدث كبير، لكنه بالنسبة إلى أبو عليا "وثيقة إنسانية".

وتحاول من خلال السلسلة أن تكتب المغير من داخل يوميات أهلها، لا باعتبارها مكانًا للموت فقط، وإنما باعتبارها مكانًا للحياة التي تقاوم أن تُمحى. فمحاولات اقتلاع المكان، في رؤيتها، لا تبدأ فقط حين تهدم البيوت، وإنما حين تُنتزع من الأرض حكايات أهلها، وحين يصبح الغياب الرواية الوحيدة المتروكة للمكان.

وتقول إن الاحتلال قد يحاول السيطرة على الأرض، وهدم بيت أو إغلاق طريق أو اقتلاع شجرة، «لكنه لا ينبغي أن يمتلك أيضًا حق كتابة الذاكرة». ومن هنا، تصبح الكتابة بالنسبة إليها أكثر من ممارسة مهنية أو أدبية؛ إنها محاولة لحفظ الوجود ومنع شيء من أن يُمحى.

 

عين تلتقط الهامش

أسهمت تجربتها كامرأة في الإعلام والثقافة في تشكيل نظرتها إلى القصص التي تختارها، وجعلتها أكثر انتباهًا إلى ما يقع في الهامش. تقول إن الحقيقة الأعمق قد تكون أحيانًا في تفصيل صغير لا يلتفت إليه أحد.

ولهذا، بات سؤالها قبل اختيار أي قصة: ماذا سنخسر إذا لم نرو هذه الحكاية؟ لا ماذا سنعرف فقط إذا رويناها. فبعض القصص، كما ترى، لا تختفي من الواقع إذا لم تُكتب فحسب، وإنما تختفي أيضًا من الذاكرة.

هذه الحساسية تجاه التفاصيل رافقت تجربتها في الإذاعة والصحافة والشعر، ومنحت أعمالها مساحة تلتقي فيها المهنة بالإنسان، والخبر بالذاكرة، والقصيدة بالشهادة.

 

من الميكروفون إلى القصيدة

درست أبو عليا في جامعة بيرزيت، واكتشفت موهبتها الشعرية في سن مبكرة، قبل أن تتسع تجربتها بين الإذاعة والصحافة والكتابة الثقافية. وتعمل مذيعة في إذاعة صوت فلسطين، إلى جانب حضورها في الصحافة والكتابة والشعر.

ولم يبق حضورها الشعري في الإطار المحلي، إذ حازت مؤخرًا المرتبة الثالثة في المهرجان العالمي للشعر والرواية في إيطاليا عن قصيدتها "مدن ممنوعة من الغزو"، التي ترجمت إلى الإيطالية.

كما تكتب في عدد من الصحف والمواقع الفلسطينية، إلى جانب عملها الإذاعي، وبرز حضورها في مقدمات وتناولات إنسانية للأحداث الجارية في قطاع غزة ومدن فلسطين، في تجربة تتقاطع فيها رهافة الشاعرة مع أدوات الإعلامية.

ولعل هذا التداخل هو ما يمنح تجربتها خصوصيتها؛ باعتبار أن الميكروفون لم يكن بعيدًا عن القصيدة، والقصيدة لم تكن منفصلة عن الواقع. كلاهما بالنسبة إليها وسيلة للاقتراب من الإنسان، ومحاولة للإجابة عن سؤال واحد يتكرر بأشكال مختلفة: ماذا يبقى منا حين تحاول الحرب أن تختزلنا في خبر أو رقم؟

 

لصوتها حكاية أخرى

ولصوت وصال أبو عليا حكاية أخرى في تجربتها الإعلامية؛ صوت دافئ يحمل قدرًا من الألفة والهدوء، لكنه لا يفقد حضوره وقوته حين يقتضي المقام. فيه مسحة شعرية تنسجم مع حساسية تجربتها، فتصل الكلمات إلى المستمع بقدر من الصدق والقرب، وكأنها لا تقرأ النص بقدر ما تمنحه صوتًا وحياة. ولعل هذا الدفء، إلى جانب قدرتها على التحكم بالإيقاع والنبرة، منح حضورها الإذاعي خصوصيته، وجعل صوتها جزءًا من الحكاية التي ترويها لا مجرد وسيلة لنقلها.

 

الجائزة.. مسؤولية قبل أن تكون احتفاء

تعتز أبو عليا بتتويج "نص على الحافة" لأنه منح فكرة البرنامج مساحة عربية أوسع، لكنها ترى الجائزة قبل كل شيء تكريمًا لأصوات الشعراء الذين يكتبون في العتمة، وللكلمة التي ترفض أن تموت حين يحاصر الموت كل شيء.

كما تراها مسؤولية تجاه كل كلمة خرجت من تحت القصف، وكل شاعر كتب وهو يسمع الحرب من حوله، وكل إنسان حاول أن ينقذ ذاكرته من المحو.

وجاء تتويج البرنامج ضمن حضور فلسطيني لافت في الدورة السادسة والعشرين من المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون، التي شهدت مشاركة واسعة لمؤسسات إعلامية عربية ودولية، وحصدت خلالها الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون الفلسطينية ثماني جوائز عن أعمال إذاعية وتلفزيونية في مجالات متعددة.

غير أن مسيرة وصال أبو عليا لا تختصرها جائزة، ولا برنامج واحد. فهي تجربة تتشكل تدريجيًا بين الصحافة والإذاعة والشعر، وتبحث في كل محطة عن المساحة التي يستطيع فيها الإنسان أن يستعيد صوته.

وبين "نص على الحافة" و"سرديات ما لا يكتب في محاضر الجنود"، تبدو الفكرة واحدة وإن اختلفت الأدوات: البحث عما لا يظهر في الصورة، وما لا يقوله الخبر، وما قد يسقط من الذاكرة إذا لم يجد من يكتبه.

وربما لهذا تختصر أبو عليا علاقتها بالكلمة في معنى يتجاوز المهنة: هي لا تكتب لتضيف نصًا آخر إلى ما كتب، وإنما لتحاول أن تمنع شيئًا من أن يُمحى.