عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 01 أيلول 2026

في بزاريا.. أبواب "نور الدين زنكي" تستعصي على المعتدين

نابلس – الحياة الجديدة – بشار دراغمة- لم يكن الفجر قد اكتمل حين استيقظت قرية بزاريا شمال غرب نابلس على نار لا تشبه نار المواقد، ولا تلك التي يوقظ بها الفلاحون صباحاتهم الباردة، كانت نارا من خارج الحكاية، تحمل في لهبها ضغينة غرباء أرادوا أن يحرقوا للقرية نافذتها المفتوحة على السماء.

في الثالثة والنصف فجر أمس الثلاثاء، كان الليل يواصل فرش عباءته فوق البيوت المتقاربة، ويترك للسكينة أن تحرس الأزقة، بدا كل شيء نائما، الأشجار والحجارة، ونوافذ المنازل، وحتى الطريق المؤدية إلى مسجد نور الدين زنكي، وحدهم المهاجمون كانوا مستيقظين، كأن الكراهية ساعة لا تنام.

يقول شاهد العيان محمد عبد إن مجموعة من المستوطنين تسللت إلى القرية، واتجهت نحو المسجد الواقع وسط بزاريا، لم يأتوا للصلاة، ولم يحملوا في خطواتهم خشوع العابرين إلى بيت الله، جاؤوا بأدوات الخلع والنار والعبارات العنصرية، كأنهم أرادوا أن يتركوا على الجدران توقيعا يدل على أن الحقد مر من هنا.

حاولوا خلع أبواب المسجد واقتحامه، لكن الأبواب استعصت عليهم، قاومتهم قطع من الحديد والخشب، وأدت الأبواب المغلقة في تلك اللحظة وظيفة العالم المفتوح كله، فمنعت النار من الوصول إلى قلب المسجد.

وحين فشل المعتدون في الدخول، اتجهوا إلى غرفة تقع في الجزء الخلفي من المبنى، وأشعلوا النار فيها، ربما ظنوا أن الحريق، حين يجد خشبا أو طلاء أو جدارا، سيعرف وحده طريقه إلى المحراب، لكن النار التي أرسلت لتلتهم المسجد حوصرت داخل الغرفة، وبقيت قاعة الصلاة بعيدة عن ألسنتها.

لم يكن في الغرفة أحد، ولذلك لم يسقط جرحى، غير أن الأمكنة، مثل البشر، تتألم أيضا. وللجدران ذاكرتها، وللأبواب خوفها، وللمساجد حرمة لا تستطيع تقارير الأضرار المادية أن تقيس مقدار انتهاكها.

تصاعد الدخان في عتمة الفجر، فانتبه الأهالي إلى أن شيئا أسود يحاول أن يسبق الأذان إلى سماء القرية، هرع شبان بزاريا نحو المسجد، وفق شهود عيان، ولا يحملون سوى ما استطاعوا جمعه في دقائق الارتباك الأولى، ثم وصلت طواقم الدفاع المدني، وبدأ الجميع سباقا قصيرا بين الماء والنار، وبين أهل يريدون إنقاذ بيت عبادتهم ومعتدين تركوا خلفهم حريقا ورسائل تهديد.

تمكن الأهالي وطواقم الإطفاء من السيطرة على النيران قبل امتدادها إلى بقية المبنى، أطفئت الغرفة، لكن رائحة الاحتراق بقيت معلقة في المكان، كما تبقى الجريمة بعد رحيل مرتكبيها، أثرا لا يرى كله، ولا يزول بمجرد غسل السواد عن الجدار.

وعلى واجهة المسجد وجدرانه، ترك المعتدون كتابات باللغة العبرية وعبارات عنصرية وتهديدات، لم تكن الكتابة هنا محاولة للتعبير، بل امتداد للحريق بأداة أخرى، فما عجز اللهب عن قوله، حاول الطلاء أن يقوله.

شهود عيان أكدوا أن قوات الاحتلال وصلت إلى المكان بعد وقوع الاعتداء، جاءت بعدما انطفأت النار، وبعدما فعل الأهالي ما يستطيع المرء فعله حين يترك وحيدا أمام الحريق.

في الصباح، بدا مسجد نور الدين زنكي واقفا، وعلى أحد جوانبه غرفة أكلت النار بعض مداخلها، لم يحترق المسجد كاملا كما أراد المعتدون، ولم يصل اللهب إلى قاعة الصلاة، ظل المحراب في مكانه، وظلت المئذنة أعلى من الكتابات التي حاولت إهانتها.

وأدانت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الاعتداء، وعدته تصعيدا خطيرا وممنهجا يمس حرمة دور العبادة، فيما قال مدير عام أوقاف نابلس الشيخ ناصر السلمان إن محاولة إحراق المسجد وتدنيسه بالشعارات العنصرية تكشف حجم التحريض المتواصل ضد المقدسات، وطالبت الوزارة المؤسسات الدولية والحقوقية بتوفير الحماية لدور العبادة ووقف الاعتداءات المتكررة

كما تفقد محافظ نابلس غسان دغلس موقع الاعتداء، مؤكدا أن إحراق المساجد جريمة لن تكسر صمود المواطنين أو تدفعهم إلى التخلي عن مقدساتهم.