منى الضميدي.. من فضول الطفولة إلى محافظ للذكاء الاصطناعي المسؤول لفلسطين

رام الله- الحياة الجديدة- عبير البرغوثي- لم تبدأ حكاية د. منى نبيل الضميدي مع الذكاء الاصطناعي من منصب أو جائزة أو استراتيجية وطنية، بل من فضول مبكر؛ رغبة في فهم الأشياء من حولها: كيف تعمل؟ ولماذا تعمل بهذه الطريقة؟ وهل يمكن أن تعمل بصورة أفضل؟
ذلك الفضول الذي قادها إلى هندسة الحاسوب، ثم إلى البحث الأكاديمي في البرمجيات والبيانات والذكاء الاصطناعي، تحول مع السنوات إلى مسار مهني أوسع، تجاوز حدود المختبر والجامعة إلى السياسات والحوكمة والابتكار، وصولا إلى تعيينها مؤخرا محافظا للذكاء الاصطناعي المسؤول لفلسطين لدى المجلس العالمي للذكاء الاصطناعي المسؤول (GCRAI) ، وهو مجلس دولي مستقل وغير ربحي تأسس في 2024 وأطلق دوليا في مجلس اللوردات في لندن عام 2025، ويعمل اليوم من خلال شبكة تمتد إلى عشرات الدول. فكرته الأساسية هي نقل الذكاء الاصطناعي المسؤول من المبادئ النظرية إلى التطبيق: كيف نبني أنظمة AI أكثر شفافية وأمانا وعدالة وخضوعا للمساءلة دون أن نعيق الابتكار.
بالنسبة للضميدي، لا يمثل المنصب الجديد مجرد لقب يضاف إلى سيرتها المهنية، بل "مسؤولية ومساحة دولية إضافية" تستطيع من خلالها خدمة فلسطين، وربط الخبرة الفلسطينية بالنقاش العالمي حول مستقبل الذكاء الاصطناعي وكيفية تطويره واستخدامه بصورة مسؤولة وأخلاقية.
وعن تعيينها في هذا المنصب، ترى أنه دور شرفي ومهني داخل هذه الشبكة، ومنصة إضافية لربط الخبرة الفلسطينية بالعالم وجلب المعرفة والشراكات إلى فلسطين.
فضول قادها إلى التكنولوجيا
تقول الضميدي لـ "الحياة الجديدة": إن أكثر ما بقي ثابتا في شخصيتها منذ البدايات هو الفضول. لم تكن هندسة الحاسوب خيارا مرسوما منذ الطفولة، لكنها جذبتها لأنها تجمع بين المنطق والهندسة والبرمجة وحل المشكلات.
ومع الوقت، لم تعد الأسئلة التي تشغلها مرتبطة بكيفية كتابة البرامج فحسب، بل بما يقف خلفها: كيف تتعامل التكنولوجيا مع البيانات؟ كيف تتعلم الآلة؟ وكيف يمكن أن تتكيف مع احتياجات الإنسان وتساعده على اتخاذ قرارات أفضل؟
هكذا تطورت علاقتها بالبرمجيات والبيانات إلى اهتمام أعمق بالذكاء الاصطناعي، في وقت كان فيه هذا المجال لا يزال بعيدا عن الاهتمام الجماهيري الواسع الذي يحظى به اليوم.
وتقول إن دخولها المبكر إلى المجال منحها فرصة مهمة، إذ بدأت علاقتها بالذكاء الاصطناعي من البحث والأسئلة العلمية، قبل أن يتحول إلى موجة تكنولوجية عالمية.
من فلسطين إلى مانشستر وبرمنغهام
كانت تجربتها الأكاديمية في بريطانيا محطة مفصلية في تشكيل رؤيتها العلمية والشخصية. ففي مانشستر تعمقت علاقتها بالبرمجيات والبيانات والبحث، بينما دفعتها تجربتها اللاحقة في برمنغهام بصورة أكبر نحو التعلم والذكاء الاصطناعي وكيفية تطوير تكنولوجيا أكثر قدرة على فهم الإنسان.
لكن التجربة لم تكن علمية فقط. خارج فلسطين، بدأت تنظر إلى بلدها من زاوية مختلفة؛ رأت ما يمتلكه الفلسطينيون من طاقات، لكنها رأت أيضا الفجوات في الفرص والبحث والبنية التحتية والوصول إلى التكنولوجيا.
ومن هنا نشأ سؤال رافقها لاحقا: كيف يمكن إعادة توظيف ما تتعلمه وتراه في العالم بطريقة تخدم فلسطين؟
لم تعد العودة بالنسبة إليها مجرد استكمال لمسار أكاديمي شخصي، وإنما محاولة لبناء برامج ومؤسسات وسياسات وفرص تجعل المسافة بين الشاب الفلسطيني والفرصة العالمية أقصر.
حين يصبح العلم مشروعا وطنيا
تدريجيا، انتقلت الضميدي من البحث الأكاديمي إلى مساحة أوسع تجمع التكنولوجيا بالقيادة والابتكار وريادة الأعمال.
ومن خلال تأسيس STEMpire والعمل مع منظومة الابتكار والقطاع الخاص، ثم توليها أدوارا قيادية في الجامعة العربية الأمريكية، بدأت تبحث عن الإجابة لسؤال واحد: ماذا يحدث للفكرة بعد خروجها من الورقة العلمية؟
في الجامعة العربية الأمريكية، تولت قيادة كلية العلوم الرقمية، وتشغل اليوم منصب نائب رئيس الجامعة لشؤون الذكاء الاصطناعي، إلى جانب إدارة العلاقات الدولية.
وهناك، لم تعد تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كموضوع أكاديمي فقط، بل كأداة لإعادة التفكير في التعليم والخدمات والبحث العلمي ومهارات الطلبة.
من تدريب الكوادر إلى إدخال أدوات الذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية، وبناء مساعدين رقميين، وتطوير منصة PromptVerse، وتوسيع الشراكات الدولية، تحاول الضميدي تحويل الأفكار إلى ممارسة مؤسسية.
وتلخص رؤيتها بالقول إن القيادة الحقيقية لا تكمن في امتلاك الفكرة، وإنما في تحويلها إلى منظومة تعمل وتترك أثرا.
الاستراتيجية الوطنية.. من الفكرة إلى السياسة
من أبرز المحطات في مسيرتها مشاركتها في تطوير الاستراتيجية الوطنية الفلسطينية للذكاء الاصطناعي التي أقرت عام 2023.
منذ البداية، كانت ترى أن فلسطين لا تحتاج إلى استنساخ تجارب الدول الأخرى، لأن احتياجات دولة تمتلك بنية تحتية وموارد حوسبة ضخمة تختلف عن احتياجات فلسطين.
لذلك كان السؤال الأهم: ما الذكاء الاصطناعي الذي تحتاجه فلسطين؟
امتد النقاش إلى الحكومة والتنمية والتعليم وبناء القدرات والبحث والتطوير والتشريعات والأخلاقيات والتعاون الدولي، قبل أن يتوسع عملها إلى ملفات جاهزية فلسطين للذكاء الاصطناعي وأخلاقياته وفق منهجية اليونسكو، والسياسات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في التعليم العالي.
وبالنسبة إليها، لم تكن الاستراتيجية مجرد وثيقة أقرت عام 2023، بل بداية لمسار وطني طويل.
وترى أن أهم ما تحقق هو نقل الذكاء الاصطناعي من دائرة المبادرات والنقاشات المتفرقة إلى مستوى السياسة الوطنية، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن نجاح أي استراتيجية لا يقاس بعدد صفحاتها، وإنما بما يحدث بعدها.
"لا أريد أن يسمع العالم عن فلسطين فقط"
من هنا تكتسب مهمتها الجديدة لدى المجلس العالمي للذكاء الاصطناعي المسؤول أهمية خاصة بالنسبة إليها، المنصب - كما تقول لــ "الحياة الجدديدة": يضيف إلى عملها شبكة دولية أوسع ومساحة للمشاركة في النقاشات المتعلقة بالحوكمة والمساءلة والثقة وإدارة المخاطر، لكنه بالنسبة إليها لا يجب أن يتحول إلى اتجاه واحد.
تريد للباحثين والشباب والجامعات ورواد الأعمال الفلسطينيين أن يستفيدوا من هذه الشبكة عبر فرص التعاون وتبادل الخبرات وبناء القدرات، لكنها تريد أيضا أن تكون التجربة الفلسطينية جزءا مما يقدمه العالم ويتعلم منه.
وتقول إن فلسطين لديها ما يمكن أن تضيفه في مجالات بناء القدرات والعدالة الرقمية والتعليم وحوكمة التكنولوجيا في البيئات محدودة الموارد.
وتختصر رؤيتها بعبارة تحمل كثيرا من طموحها: "لا أريد فقط أن يسمع العالم عن فلسطين. أريد أن يسمع من الفلسطينيين عندما يتم تصميم مستقبل التكنولوجيا نفسها".
امرأة فلسطينية في عالم التكنولوجيا
لم يكن الطريق خاليا من التحديات. فقد شعرت في مراحل من مسيرتها بأنها مطالبة بإثبات نفسها بصورة مضاعفة؛ كامرأة تدخل مجالا تقنيا كان يهيمن عليه الرجال، وكفلسطينية تدخل مساحات أكاديمية ومهنية دولية. لكنها لا تفضل أن تبني قصتها على العوائق.
مع الوقت، تعلمت أن أفضل طريقة لإثبات الذات هي العمل والنتيجة؛ أن تتحدث السياسة التي ساهمت في تطويرها، والبحث الذي نشرته، والبرنامج الذي أتاح فرصة لآخرين. وربما لهذا السبب أصبح تمكين النساء والشباب جزءا أساسيا من رؤيتها.
وترى أن المشكلة لا تكمن في قدرات النساء الفلسطينيات، وإنما في الفرص والشبكات والثقة والوصول إلى التمويل ومواقع صنع القرار.
وبالنسبة إليها، فإن زيادة حضور النساء في الذكاء الاصطناعي ليست مجرد قضية مساواة، بل ضرورة لبناء تكنولوجيا أكثر عدالة؛ إذ إن الفرق التي تصمم التكنولوجيا يجب أن تعكس تنوع المجتمعات التي ستستخدمها.
إلى الفتاة التي تحلم بالتكنولوجيا
وللفتاة الفلسطينية التي تحب التكنولوجيا ولا ترى أمامها نماذج نسائية كثيرة في مواقع القيادة، توجه الضميدي رسالة -عبر "الحياة الجديدة"- تبدو أقرب إلى خلاصة تجربتها الشخصية: "لا تنتظري أن تري نموذجا مطابقا لك حتى تبدئي. ربما أنت النموذج الذي ستراه فتاة أخرى بعد خمس سنوات".
تدعوها إلى التعلم وبناء المشاريع والمشاركة في المسابقات واقتناص الفرص، حتى عندما لا تشعر بأنها تستوفي كل الشروط، وإلى ألا تضع سقفا جغرافيا لطموحها. مكان الانطلاق، كما ترى، يمكن أن يكون جزءا من القصة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى حدود للمستقبل.
النجاح ليس نهاية الطريق
رغم التكريمات التي حصلت عليها، ومن بينها لقب المرأة الأكثر تأثيرا في فلسطين، لا تنظر الضميدي إلى الجوائز باعتبارها نقطة وصول، بالنسبة إليها، هناك فرق بين النجاح والتأثير. النجاح قد يكون شهادة أو منصبا أو جائزة، أما التأثير فهو أن يصل ما تقوم به إلى الآخرين وأن يغير شيئا خارج حدود مسارك الشخصي. ولهذا فإن كل تكريم، في نظرها، يطرح سؤالا جديدا: ماذا ستفعل بهذه المساحة بعد ذلك؟
حتى الإخفاقات لم تكن خارج هذه المعادلة. تقول إنها لا تؤمن بالسيرة الذاتية المثالية، لأن خلف كل فرصة ظهرت فيها فرص أخرى لم تحدث، ومشاريع لم تكتمل، وأبوابا أغلقت. لكنها تعلمت ألا تربط قيمتها بقرار شخص أو مؤسسة، وأن بعض التجارب الصعبة تمنح الإنسان وضوحا لا يمنحه النجاح. وتقول إن المرونة والقدرة على البدء من جديد ربما كانتا من أهم المهارات التي صنعت مسيرتها، وربما أهم من الذكاء نفسه.
من "المستخدم" إلى "الشريك"
تطمح الضميدي إلى أن تنتقل فلسطين في علاقتها بالتكنولوجيا من موقع المستفيد إلى موقع الشريك، وترى أن امتلاك استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي، والعمل على أخلاقياته وحوكمته، وتطوير البرامج التعليمية والبحثية، ووجود خبرات فلسطينية في الداخل والخارج، كلها خطوات يمكن البناء عليها.
لكن المعركة الحقيقية، في نظرها، هي تحويل رأس المال البشري الفلسطيني إلى شركات ومنتجات وبحوث وملكية فكرية وفرص عمل.
وترى في الذكاء الاصطناعي مجالا يمكن أن يفتح لفلسطين نوعا جديدا من الحضور الدولي، عبر ما تسميه طالدبلوماسية العلمية والمعرفية"، باحث فلسطيني يشارك في بحث عالمي، أو جامعة تقود مبادرة نوعية، أو شاب يبني منتجا قادرا على المنافسة، يمكن أن يكون جزءا من الحضور الفلسطيني في العالم، إلى جانب الدبلوماسية الرسمية.
الحلم الأكبر.. فلسطين التي تنتج التكنولوجيا
وراء كل هذه الأدوار، يبقى حلم الضميدي أبعد من منصب أو جائزة. تريد أن ترى فلسطين منتجة ومصدرة للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، لا مجرد مستهلكة لهما، وتتطلع إلى بناء منظومة فلسطينية متكاملة تربط الجامعات والحكومة والقطاع الخاص ورواد الأعمال والباحثين في الداخل والشتات، وتوفر بنية تحتية للبيانات والحوسبة، ومختبرات للبحث والتطوير، وبرامج للمواهب، ودعما للشركات الناشئة، وتطبيقات للذكاء الاصطناعي في التعليم والصحة والزراعة والخدمات الحكومية، إلى جانب إطار قوي للحوكمة والأخلاقيات.
وتريد أن يكون الشباب والنساء واللغة العربية والسياق الفلسطيني جزءا أساسيا من هذه المنظومة. وتقول: إن اللبنات الأولى موجودة بالفعل: استراتيجية وطنية، جامعات تتحرك، قطاع خاص يزداد اهتماما، وتجارب مؤسسية وشبكة من العلماء والمهندسين والخبراء الفلسطينيين حول العالم. ما ينقص، برأيها، هو ربط هذه النقاط ببعضها.
وعندها، لن يكون السؤال كيف تلحق فلسطين بثورة الذكاء الاصطناعي، وإنما: ما الذي تستطيع فلسطين أن تضيفه إلى هذه الثورة؟
ذلك هو الحلم الذي تختصر فيه الضميدي مسيرتها؛ أن تتحول المعرفة التي بدأت يوما بفضول شابة فلسطينية تجاه التكنولوجيا إلى فرصة أوسع لبلد كامل، وأن يصبح الذكاء الاصطناعي مساحة جديدة تثبت فيها فلسطين أن محدودية الموارد لا تعني محدودية القدرة على الابتكار.
مواضيع ذات صلة
منى الضميدي.. من فضول الطفولة إلى محافظ للذكاء الاصطناعي المسؤول لفلسطين
صحافيات جنين الصغيرات يفتحن 4 حوارات كبيرة
التجديد لقوات "اليونيفيل" في لبنان يصطدم بالرفض الأميركي في مجلس الأمن
سلطة المياه: محطة تحلية "المشتل" تبدأ الضخ التجريبي شمال غزة
شهيد ومصابان جراء قصف للاحتلال على حي تل الهوا جنوب غرب مدينة غزة
إصابة ثلاثة مواطنين في غارة للاحتلال على مخزن أدوية بمستشفى في دير البلح