عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 11 آب 2026

حين تُقاس سلامة نابلس بما لم يحدث

نابلس – الحياة الجديدة – بشار دراغمة- كان العميد عيسى أبو علان مدير شرطة محافظة نابلس يقلب التقرير السنوي لشرطة المحافظة، صفحة إثر أخرى، كمن يقلب دفترا سريا لمدينة لا تريد أن يعرف أحد كم مرة نامت على حافة الخطر ثم استيقظت آمنة.

لم تكن الأوراق أمامه مجرد جداول، ولا كانت القضايا التي ازدحمت بها الصفحات أرقاما تصلح للعرض في مناسبة رسمية، فخلف كل كمية مخدرات أبعدت عن الشارع جسد كان يمكن أن يسقط في هاوية لا قاع لها، وخلف كل جريمة كشفت، بيت كان ينتظر أن يعود إليه شيء من الطمأنينة.

كان يستعرض أمام مجموعة من الصحفيين خلال تكريمهم، حصيلة عمل امتد لنحو 20 شهرا منذ تسلمه إدارة شرطة المحافظة، فترة لم تكن مهمته فيها أن يملأ صفحات التقرير بإنجازات الشرطة، بقدر ما كانت مهمته أن يترك صفحات المدينة أقل امتلاء بالخوف.

ففي نابلس، لا تبدأ الحكاية الأمنية حين تقع الجريمة بل قبلها بكثير، حين تلتقط الشرطة خيطا صغيرا، أو تضبط سلاحا قبل أن يجد طريقه إلى يد عابثة، أو تضبط مخدرات قبل أن تتحول إلى عادة في بيت، أو تضبط مركبة مسروقة قبل أن تتحول إلى تابوت متنقل، وبلغة الأرقام من بين 12 ألف مركبة غير قانونية ضبط في الضفة الغربية كان نصفها في نابلس.

كان العميد أبو علان يتحدث عن مكافحة المخدرات، لا باعتبارها معركة مع مادة ممنوعة فحسب، بل مع شبكة هدم للمجتمع، فالمخدرات لا تدخل البيوت وهي تحمل لافتة تقول إنها جاءت لتدمر حياة أحد، بل تتسلل إليها مثل ضيف كاذب، ثم لا تلبث أن تطلب من أصحاب البيت ثمن بقائها.

ولهذا كانت ملاحقة المروجين والمهربين وضبط المواد المخدرة جزءا من معركة أوسع، وحسب العميد أبو علان فالهدف دوما أن تبقى شوارع نابلس أقل قابلية لأن تتحول إلى ممرات للسم، وأن يبقى أب قادر على أن يطمئن إلى الطريق الذي يسلكه ابنه، وأم قادرة على أن تنام دون أن تخشى أن تكون المدينة قد خبأت في أحد أزقتها ما يسرق منها أبناءها.

وفي بلد عرف طويلا كيف يمكن لقطعة معدن صغيرة أن تغير مصير عائلة، لا تصبح مصادرة السلاح مجرد إجراء أمني، يؤكد أبو علان أنها أحيانا مصادرة لاحتمال مأساة وإغلاق مبكر لباب كان يمكن أن يفتح على دم، وإطفاء لشرارة قبل أن تجد ما يكفيها لتصبح حريقا.

يشير أبو علان إلى أن قيمة عمل الشرطة في تلك المسافة الدقيقة بين وقوع الجريمة والوصول إلى مرتكبها وهي المسافة التي لا يراها المواطن غالبا، لكنه يشعر بنتيجتها حين تستعاد حقوقه، ويقبض على الجاني، وتعود الأشياء إلى أصحابها، ويعرف من ظن أن جريمته ستبقى بلا جواب أن للمدينة ذاكرة أمنية لا تنام.

وفي ملف السيارات والمركبات المسروقة وغير القانونية، كان الحديث يحمل وجها آخر من وجوه الأمن؛ فالشارع ليس مجرد إسفلت تعبره السيارات، بل مساحة مشتركة لسلامة الناس فكل مركبة غير قانونية ترفع عن الطريق، وكل خطر يمنع قبل أن يتحول إلى حادث أو جريمة، هو جزء من معركة أوسع عنوانها أن لا يصبح الطريق نفسه مصدرا للخوف.

ولعل المفارقة في العمل الأمني أن المواطن لا يرى غالبا إلا ما حدث، بينما وظيفة الشرطة أن تمنع ما كان يمكن أن يحدث، يعقب العميد أبو علان بكلمات تضيف المزيد من رصيد الطمأنينة لأبناء المدينة.

ولسان حال العميد أبو علان يقول: "الناس تعرف الجريمة حين تصبح خبرا، لكنهم لا يعرفون دوما عدد الجرائم التي لم تصبح أخبارا لأن رجل أمن أوقف خيطها في الوقت المناسب".

في حفل تكريم الصحفيين، كان أبو علان يتحدث عن عمل الشرطة أمام من اعتادوا أن يلاحقوا الخبر، وأن يسألوا دائما: ماذا حدث؟

لكن الإجابة الأعمق كانت تختبئ بين صفحات التقرير الذي كان يقلبه أمامهم "حدث الكثير كي لا يحدث الكثير".

تلك هي الحكاية التي لا تظهر كاملة في البيانات الرسمية، ولا تستطيع الأرقام وحدها أن ترويها.

فالأمن ليس بندا في تقرير ولا رقما في جدول، ولا صورة لعملية ضبط، الأمن في نهايته شعور يومي لا ننتبه إليه إلا حين يفتقده الناس.. أن يخرج الطفل إلى مدرسته، وأن يفتح التاجر متجره، وأن يعود العامل إلى منزله، وأن تمتلئ شوارع نابلس بالناس بدل أن تمتلئ بالخوف.