عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 01 آب 2026

من أولى سنوات الطب إلى مشروع يلامس العالم.. هيا الأسطل تطور تطبيقاً ذكياً يختصر رحلة فهم المصطلحات الطبية

رام الله– الحياة الجديدة- عبير البرغوثي- في الوقت الذي ينشغل فيه معظم طلبة السنة الأولى في كليات الطب بمحاولة التأقلم مع طبيعة الدراسة الجديدة، كانت هيا جمال الأسطل، الطالبة في كلية الطب بجامعة الأزهر في غزة، تبحث عن طريقة مختلفة لمواجهة أحد أكبر التحديات التي تعترض طريقهم. فبدلاً من الاكتفاء بحفظ المصطلحات الطبية الإنجليزية التي تشكل أساس العلوم الطبية، قررت أن تطرح سؤالاً بسيطاً غيّر مسار تجربتها: لماذا لا تتحول هذه الصعوبة إلى حل يستفيد منه الجميع؟

من هذا السؤال، ولدت فكرة "مترجم هيا الطبي"، وهو تطبيق ذكي يعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، لا يترجم المصطلحات الطبية فحسب، بل يساعد الطلبة على فهمها وتحليلها واستخدامها بطريقة علمية، ليصبح بالنسبة لكثير من طلبة القطاع الصحي أكثر من مجرد قاموس، بل رفيقاً تعليمياً يرافقهم في رحلتهم الأكاديمية.

وتروي هيا في سياق حديثها لـ "الحياة الجديدة" أن بداياتها لم تكن مختلفة عن أي طالب طب جديد. فقد اصطدمت منذ الأيام الأولى بحجم المصطلحات الطبية الإنجليزية وتعقيدها، وهو تحدٍ يواجهه معظم طلبة الكليات الصحية في سنواتهم الأولى. وتقول إن فهم هذه المصطلحات ليس أمراً ثانوياً، بل هو المدخل الحقيقي لفهم المحاضرات والكتب والمراجع الطبية، ولذلك شعرت أن المشكلة تستحق حلاً عملياً يتجاوز الطرق التقليدية في الدراسة.

وتضيف أن القواميس الطبية الموجودة كانت تقدم ترجمة مباشرة للكلمة، لكنها لا تساعد الطالب على استيعاب معناها الحقيقي أو فهم استخدامها في السياق الطبي، الأمر الذي دفعها إلى التفكير في تطوير أداة تعليمية أكثر شمولاً، تستفيد من الإمكانات التي توفرها تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتراعي احتياجات الطلبة في مختلف المراحل الدراسية.

ولم تكن الفكرة مجرد خاطرة عابرة، بل تحولت إلى مشروع متكامل. بدأت هيا بتحديد المشكلة بصورة دقيقة، ثم درست احتياجات طلبة الكليات الصحية، قبل أن تضع تصوراً للخدمات التي يجب أن يقدمها التطبيق. وبعد ذلك انتقلت إلى مرحلة التصميم والتطوير، وهي رحلة استغرقت قرابة ثمانية أشهر، تنقلت خلالها بين التخطيط والبرمجة والاختبار والتحسين المستمر، حتى خرج التطبيق إلى النور.

وتشير إلى أن النسخة الأولى لم تكن متاحة للجميع، بل كانت عبارة عن ملف إلكتروني يُرسل عبر تطبيق "واتساب" إلى عدد محدود من الطلبة، الذين جربوه وقدموا ملاحظاتهم واقتراحاتهم، لتبدأ بعدها مرحلة طويلة من التعديلات والإضافات، قبل إطلاق التطبيق رسمياً عبر متجر "Google Play"، مع استمرار تطويره بصورة متواصلة.

اليوم، يقدم "مترجم هيا الطبي" تجربة تختلف كثيراً عن القواميس الطبية التقليدية. فهو يمنح الطالب ترجمة دقيقة للمصطلح، ويشرح معناه باللغة العربية والإنجليزية، ثم يقدم تفسيراً مبسطاً يساعد على استيعاب الفكرة، إلى جانب خاصية النطق الصوتي القريب من النطق البشري، بما يسهّل تعلم اللفظ الصحيح للمصطلحات التي غالباً ما تختلف طريقة كتابتها عن طريقة نطقها.

ولا يتوقف الأمر عند ذلك، إذ يقوم التطبيق بتحليل المصطلح الطبي إلى مكوناته الأساسية، موضحاً البادئة والجذر واللاحقة ومعنى كل جزء منها، الأمر الذي يساعد الطالب على فهم بنية المصطلحات الطبية ذات الأصول اللاتينية واليونانية، ويمنحه القدرة على تحليل كلمات جديدة بدلاً من الاكتفاء بحفظها.

كما يوفر التطبيق بطاقات تعليمية تفاعلية، وصوراً توضيحية، وكلمات مرتبطة بالمصطلح، وأمثلة توضح كيفية استخدامه في السياق الطبي، إضافة إلى خطط للمراجعة وإشعارات تعليمية يومية تقترح على الطالب مصطلحات جديدة، بما يحول عملية التعلم إلى تجربة متواصلة بدلاً من الاقتصار على الدراسة قبل الامتحانات.

ومن المزايا التي تفتخر بها هيا أن التطبيق يراعي اختلاف مستويات الطلبة في اللغة الإنجليزية، لذلك لا يكتفي بعرض المصطلح، بل يكتب طريقة نطقه باللغة العربية بصورة تقريبية، ويقسم الكلمة إلى مقاطع صوتية، الأمر الذي يسهل قراءتها ونطقها، خاصة بالنسبة للمصطلحات الطويلة والمعقدة التي تشكل مصدر قلق للطلبة الجدد.

كما يستطيع المستخدم التعامل مع التطبيق بطرق متعددة، سواء بإدخال النصوص أو الصور أو الملفات أو حتى التسجيلات الصوتية، ليحصل على المساعدة المناسبة. ويعتمد التطبيق على قاعدة بيانات جُمعت من مراجع طبية موثوقة، فيما توظف تقنيات الذكاء الاصطناعي لفهم سياق المصطلح الطبي، وليس ترجمته بصورة حرفية، بما يمنح نتائج أكثر دقة وملاءمة.

ورغم النجاح الذي حققه المشروع، فإن الطريق لم يكن سهلاً. فهيا تؤكد أنها لم تحصل حتى الآن على أي دعم مالي، على الرغم من أن تشغيل تقنيات الذكاء الاصطناعي وتطويرها يحتاج إلى موارد مالية كبيرة. إلا أن ذلك لم يمنعها من مواصلة العمل، معتمدة على الإمكانات المتاحة وإيمانها بأن الفكرة تستحق الاستمرار لأنها تلبي حاجة حقيقية لدى طلبة القطاع الصحي.

وتقول إن أصعب التحديات لم تكن تقنية فقط، بل تمثلت أيضاً في قدرتها على التوفيق بين دراسة الطب، بما تتطلبه من جهد ووقت، والعمل على مشروع ابتكاري يحتاج إلى متابعة يومية. ولذلك حرصت على تنظيم وقتها بصورة دقيقة، والاستعانة بمتخصصين في بعض الجوانب التقنية، حتى تبقى دراستها في مقدمة أولوياتها دون أن يتوقف تطوير التطبيق.

وتلفت إلى أن الدعم الأكبر جاء من زملائها الطلبة الذين تفاعلوا مع التطبيق منذ مراحله الأولى، وقدموا ملاحظات ساعدت في تحسينه، إلى جانب أحد أساتذتها الذي شجع الفكرة منذ بدايتها، بينما كان دور أسرتها يتمثل في توفير الدعم المعنوي وتشجيعها على مواصلة مسيرتها العلمية، مع التأكيد الدائم على أن النجاح الأكاديمي يجب أن يبقى الأساس.

ولا تنظر هيا إلى تطبيقها باعتباره مشروعاً انتهى بإطلاقه، بل تعتبره بداية رحلة أطول. فهي تعمل حالياً على إضافة لغات جديدة، وتوسيع نطاق الخدمات ليشمل الأطباء والممرضين وغيرهم من العاملين في القطاع الصحي، كما تخطط لتطويره ليصبح مساعداً تعليمياً متكاملاً يستطيع شرح المحاضرات الطبية وتبسيط المعلومات العلمية اعتماداً على تقنيات الذكاء الاصطناعي.

أما حلمها الأكبر، فلا يقتصر على الحصول على شهادة الطب، بل يتمثل في الجمع بين الطب والابتكار، وإنتاج حلول تقنية تسهم في تطوير القطاع الصحي وخدمة الإنسان. وتؤمن بأن دمج المعرفة الطبية بالتكنولوجيا يمكن أن يقود إلى ابتكارات نوعية، وربما إلى مشاريع تستحق مستقبلاً تسجيل براءات اختراع.

 

وتختتم هيا رحلتها برسالة عبر "الحياة الجديدة" تعكس جوهر تجربتها، وجهتها فكل ما أنجزته بدأ من مشكلة عاشتها بنفسها، لكنها آمنت بأن أفضل طريقة لتجاوزها ليست البحث عن حل شخصي، بل ابتكار أداة تمنح آلاف الطلبة فرصة أسهل لفهم لغة الطب، وتفتح أمامهم طريقاً أكثر سلاسة نحو المعرفة.