عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 25 تموز 2026

أحرقوا قلب القرية

"تصوير: عصام الريماوي"

نابلس – الحياة الجديدة – بشار دراغمة- في دقائق قليلة، تحولت قرية تل جنوب غرب نابلس إلى مرثية مفتوحة.. رجال خرجوا لأن الحقد كان يقترب من بيوت قريتهم، لم يعودوا على أقدامهم، بل نقلوا على أكتاف أبناء القرية إلى ثلاجات الموتى، فيما كانت الأمهات يفتشن في الوجوه عن معجزة تؤجل الفقد، ويبحث الأطفال بين الجموع عن آباء لن يفتحوا أبواب بيوتهم مرة أخرى.

لم يكن المشهد مجرد ارتقاء أربعة شهداء، بل كان محاولة لقتل المعنى الذي أبقى القرى الفلسطينية حية طوال عقود، ذلك المعنى الذي يجعل بيت الجار امتدادا لبيتك، ويجعل صرخة واحدة كافية لأن تخرج قرية بأكملها من أبوابها، لم تكن الرصاصات تستهدف صدور الرجال وحدها، بل كانت تستهدف الفكرة التي تقول: إن الفلسطيني، مهما أثقله الموت، سيظل يهرع لإنقاذ أرضه وأهله.

هكذا بدأت الحكاية في تل، لا من لحظة إطلاق النار على المواطنين، بل من اللحظة التي قررت فيها قرية بأكملها أن الدفاع عن بيت واحد وعن قطعة أرض هو دفاع عن كرامة وطن.

يروي محافظ نابلس غسان دغلس المشهد من بدايته، وكأنه يستعيد دقائق كانت كافية لتغيير وجه القرية، يقول: إن ما جرى هو هجوم منظم بدأه المستوطنون حين اقتحمت مجموعات مسلحة أطراف قرية تل، وشرعت في الاعتداء على المواطنين وممتلكاتهم، في محاولة لفرض واقع جديد بقوة النار والسلاح.

لم يكن أمام المواطنين، وفق دغلس، سوى أن يخرجوا للدفاع عن قريتهم.. خرجوا بصدور عارية، لا يحملون سوى إيمانهم بأن البيت إذا ترك وحيدا أمام المعتدين، فلن يبقى في القرية بيت آمن.

وبينما كان أبناء تل يحاولون صد العدوان ومنع امتداده إلى مزيد من المنازل، اندلعت مواجهات في محيط القرية، سرعان ما تحولت إلى مجزرة انتهت باستشهاد أربعة مواطنين وإصابة آخرين.

ويحمل دغلس حكومة الاحتلال المسؤولية الكاملة عما جرى، مؤكدا أن ما حدث يجسد سياسة تقوم على توفير الحماية للمستوطنين أثناء تنفيذ اعتداءاتهم على البلدات والقرى الفلسطينية.

ويضيف أن المشهد يتكرر بصورة تكاد تصبح مألوفة؛ مستوطنون يهاجمون، يحرقون ويعتدون، بينما يوفر الجيش الغطاء والحماية، لتكون النتيجة مزيدا من الضحايا الفلسطينيين، ومزيدا من الأراضي التي تستهدف، والمنازل التي تعيش تحت تهديد دائم.

لم يكن العدوان، كما يؤكد رئيس مجلس قروي تل وليد زيدان، وليد لحظته، بل امتدادا لاعتداءات متكررة تعيشها القرية منذ أسابيع، ففي صباح أمس تقدمت مجموعة تضم نحو عشرين مستوطنا، تحت حماية قوات الاحتلال، نحو الأطراف الغربية للقرية، في محاولة جديدة لاستهداف منازل المواطنين وإحراقها، في مشهد يكاد يتكرر منذ الهجوم الذي تعرضت له تل قبل أيام.

ويروي زيدان أن أبناء القرية لم يخرجوا بحثا عن مواجهة، وإنما لمنع تكرار سيناريو الحريق، فما إن وصل المستوطنون إلى أطراف البلدة حتى هرع الأهالي لإبعادهم عن المنازل، لتبدأ مشادات بالأيدي، قبل أن تتطور الأحداث سريعا إلى إطلاق الرصاص باتجاه المواطنين.

وفي تلك اللحظات، كما يصفها رئيس المجلس القروي، تبدل المشهد خلال دقائق. فالمواجهة التي بدأت بمحاولة الأهالي حماية بيوتهم، انتهت بأربعة شهداء من عائلة واحدة، وعشرات الإصابات، بينما كانت القرية كلها تعيش حالة من الذهول، وهي ترى أبناءها يسقطون تباعا أمام منازلهم.

ويشدد زيدان على أن رواية الاحتلال، التي حاولت تصوير ما جرى على أنه مواجهة مسلحة، لا تعكس حقيقة ما حدث على الأرض، مؤكا أن الهجوم بدأ باقتحام المستوطنين للقرية تحت حماية جيش الاحتلال، وأن الأهالي تصدوا لهم دفاعا عن بيوتهم وممتلكاتهم، قبل أن يتحول المشهد إلى مجزرة انتهت باستشهاد أربعة من أبناء البلدة.