عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 13 حزيران 2026

"مقيد بالأغلال.. محرر بالحب" يحصد البرونزية في العراق ويهزم المسافة بين الزنازين وقلوب الناس

بين صمت الزنازين ودموع الانتظار.. جمان قنيص تروي حكاية الأسرى بـ "الحب"

 

رام الله– الحياة الجديدة- عبير البرغوثي- لم تحتج المخرجة والإعلامية الفلسطينية جمان قنيص إلى حوار طويل كي تروي حكاية الأسرى الفلسطينيين. خمس دقائق صامتة فقط كانت كافية لأن تجعل جمهورًا في بريطانيا والعراق يبكي، وأن تمنح فيلمها القصير "مقيد بالأغلال.. محرر بالحب" القلادة البرونزية في مهرجان واسط السينمائي الدولي بالعراق، في دورته الحادية عشرة.

الفيلم الصامت، الذي أُنجز خلال إقامة جمان في بريطانيا، يتناول واحدة من أكثر القضايا الإنسانية إيلاماً في حياة الأسرى الفلسطينيين: حرمانهم من زيارة عائلاتهم. لكنه، في جوهره، لا يحكي فقط عن أسير خلف القضبان، بل عن عمر كامل يُستنزف على جانبي السجن؛ داخل الزنزانة وخارجها.

في حديث خاص لـ"الحياة الجديدة"، تقول جمان إن فكرة الفيلم وُلدت في ذروة الحرب على غزة، حين كانت تتابع من بريطانيا أخبار استشهاد أسرى داخل السجون دون أن يُسمح لعائلاتهم حتى بوداعهم أو زيارتهم.

وتضيف: "أردتُ أن أُنتج فيلماً يفهمه أي إنسان مهما كانت لغته أو جنسيته، لذلك اخترتُ الصمت. لم أرد للغة أن تكون حاجزاً بين الفيلم والمشاهد. الصمت هنا كان أبلغ من أي حوار، لأنه يشبه الصراخ المكبوت الذي يعيشه الأسرى وأهاليهم".

هذا الصمت، كما تصفه استاذة الإعلام في جامعة بيرزيت، لم يكن فراغاً، بل مساحة مثقلة بالألم؛ دقات ساعة بطيئة، خطوات سجان، باب زنزانة يُغلق بقسوة، وزوجة تفترش الأرض خارج السجن تنتظر تصريحاً قد لا يأتي أبداً.

وتقول: "كنتُ أفكر طوال الوقت في استنزاف العائلة المنتظِرة، كما في غياب الأسير نفسه. فكرة أن يكون الأسير على بعد كيلومترات قليلة من منزله، ومع ذلك يستحيل اللقاء به، تحمل وجعاً هائلاً".

ورغم أن الفيلم فلسطيني الهوية، ومستوحى بالكامل من واقع الأسرى الفلسطينيين، إلا أن جمان تؤمن بأن وجعه يتجاوز الحدود. وتوضح لـ "الحياة الجديدة": "هو فيلم عن الفلسطينيين أولاً، لكنه أيضاً عن كل إنسان يُسلب حقه في الحرية واللقاء والحياة الطبيعية تحت أي نظام قمعي".

الجمهور البريطاني، كما تقول، لم يحتج إلى ترجمة كي يتفاعل مع الفيلم. "بكى الناس هناك كما بكى جمهور مهرجان واسط. لم يُفاجئني ذلك، لأن القضية الفلسطينية تختبر المعنى الحقيقي للإنسانية". تقول جمان.

في الفيلم، يبدو الزمن ثقيلاً إلى حد الاختناق. كل شيء يتحرك ببطء، كأن العمر نفسه عالق خلف القضبان. وتوضح جمان أن هذا الإيقاع كان مقصوداً: "تعمدتُ أن يكون الزمن بطيئًا ليشبه انتظار الأمهات والزوجات. الزمن هو أكثر ما يخسره الأسرى وعائلاتهم، لأنه لا يمكن استعادته".

لكن أصعب ما واجهها، كما تقول، لم يكن فقط إخراج فيلم صامت، بل نقل هذا الوجع إلى ممثلين بريطانيين لم يعيشوا تجربة السجن والانتظار الفلسطيني. "كان عليّ أن أشرح لهم معنى أن يُحرم إنسان من أبسط حقوقه. وحين فهموا المغزى، تفاعلوا بطريقة مؤثرة جداً". توضح.

وخلال إقامتها في بريطانيا، اكتشفت جمان أن المسافة تجعل الفلسطيني أكثر حساسية تجاه التفاصيل الصغيرة المرتبطة بالوطن. الزيتون، الأغاني، الكوفية، وحتى الروائح اليومية، تصبح محمّلة بالحنين والأسئلة.

وتقول: "في الخارج تشعر أن عليك مسؤولية مضاعفة في رواية الحكاية الفلسطينية، لأن كثيرين لا يعرفون شيئاً عن تفاصيل معاناتنا، سواء ما يتعلق بالأسرى أو بغيرها من أشكال القهر".

وترى جمان أن الأسر لا ينتهي عند حدود الزنزانة، بل يمتد إلى العائلة الفلسطينية بأكملها. "الأسير يُعتقل، لكن العائلة أيضاً تُعاقب. هناك انتظار دائم، وخوف دائم، وصورة مجمدة لابن أو زوج أو أخ يكبر خلف القضبان بينما يبقى عالقاً في ذاكرة أهله كما كان يوم اعتقاله".

وعن فوز الفيلم في مهرجان عربي، تقول المخرجة الفلسطينية إن الجائزة ليست مجرد تكريم شخصي، بل نافذة جديدة لقضية الأسرى الفلسطينيين. "القلادة البرونزية مهمة بالتأكيد، لكنها تعني لي أكثر لأنها فرصة كي يشاهد جمهور عربي واسع فيلمًا عن الأسرى، ويتفاعل مع معاناتهم".

ورغم عملها الأكاديمي كأستاذة إعلام في جامعة بير زيت، تؤكد جمان أن الفن هو المساحة التي تستطيع فيها أن تقول ما لا تستطيع قوله في الإعلام التقليدي.

تختم جمان حديثها لـ"الحياة الجديدة" بعبارة تختصر روح الفيلم: "خرجتُ من هذا العمل أكثر إيماناً بأن الذين خلف القضبان سينتصرون يوماً على أغلالهم، لكن حتى يأتي ذلك اليوم، يجب ألا نتوقف عن رواية حكاياتهم".

بينما حملت جمان قنيص قلادتها البرونزية من العراق، بدا أن الفيلم نفسه حمل ما هو أبعد من جائزة سينمائية؛ حمل أصوات أمهات ينتظرن، ووجوه أسرى يشيخون بصمت، وحكاية شعب لا يزال يحاول انتزاع حقه في اللقاء والحياة. في خمس دقائق بلا كلمات، نجح "مقيد بالأغلال.. محرر بالحب" في أن يقول للعالم إن خلف كل زنزانة فلسطينية قصة إنسانية لا تنتهي، وإن الصمت أحيانًا يكون أبلغ من كل الخطابات.