عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 13 حزيران 2026

لماذا نحن عالقون في حروب لا تتوقف؟

باسم برهوم

ليس من السهل فهم التنوع الديني والطائفي والمذهبي والعرقي في الشرق الأوسط، وإذا أخذنا الدول العربية المشرقية لوجدنا أنها لوحة "موزاييك" ضخمة لكثرة ما فيها من تعدد وتنوع، وتكفي الإشارة إلى بلد صغير مثل لبنان لنرى أن فيه 18 طائفة ومذهبا وعرقا، وبلد مثل العراق لا يقل في تنوعه والأمر ذاته في سوريا.

وإذا وسعنا الدائرة لرأينا التنوع والتعددية ذاتها في كل من تركيا وإيران، وحتى دول الخليج العربي التي تبدو أنها أكثر انسجاما، إلا أنها هي الأخرى فيها من التنوع ليضعها في دائرة التعقيد.

قد نفهم حاضر اليوم إذا ذهبنا للتاريخ وبحثنا في جذور هذا التنوع. على أن نقرأ رواية "النبطي" للكاتب المصري يوسف زيدان، والتي توضح كيف نشأ التنوع في المنطقة، وكان يعيش جنبا إلى جنب دون أن يشعر أحد أن هذا التنوع ليس أمرا غريبا، وإنما هو تراكم تاريخي منطقي قبل به الجميع عموما مع فترات أقل من التوتر. في المنطقة ما كان يعرف ببلاد فارس، مرورا بالعراق (بلاد الرافدين) وسوريا وفلسطين وصولا إلى مصر، بلاد الحضارات والأديان والأساطير القديمة.

هذه الحضارات والثقافات اختلطت مع الحضارتين الإغريقية والرومانية، وبعد قرون انضمت إليهم الحضارة العربية الإسلامية.

لم ترَ منطقة في العالم مثل هذا الخليط الغني من الثقافات، وفي وسط كل ذلك الديانات السماوية الثلاث، اليهودية والمسيحية والإسلام، والتي تتقاطع فيها أشياء كثيرة، وكانت فلسطين في وسط كل ذلك موقعا إستراتيجيا مهما، وفي نظر العالم هي الأرض المقدسة للأديان الثلاثة التي تمثل خلاصة الفكر الديني لحضارات الشرق الأوسط. وفي ظل الحروب والتنافس على المصالح وفي الوقت نفسه قدر كبير من التعاون في ظل الحاجات المتبادلة، نشأت في المنطقة ثقافات متداخلة ومتعايشة ومتصادمة في آن معا.

أوروبا عادت لتصطدم مع المنطقة مع الحملات الصليبية من القرن الحادي عشر إلى الثالث عشر الميلادي، وعادت بطريقة أخرى بعد عصر النهضة بهدف التجارة والبحث عن الرواية الدينية، وظهر في سباق ذلك الاستشراق، الذي أعاد تعريف المنطقة معرفيا من منظور أوروبي، والذي مهد الطريق للاستعمار وجعله أكثر تمددا بعد الثورة الصناعية.

الإضافة الاستعمارية هي من لاحظت هذا التنوع الثقافي والديني ورأت فيه المدخل لتعزيز النفوذ وتقاسمه في آن، وأخذت كل دولة تبحث عن مجموعة ثقافية أو دينية لتدخل من خلالها للشرق الأوسط، وأصبحنا ضمن أنماط أخرى من الحروب والنزاعات.

وما فاقم الوضع في القرن العشرين هو اكتشاف البترول ومن ثم الغاز بكميات كبيرة ما فاقم الصراعات والحروب. كل هذا تزامن مع انهيار الإمبراطورية العثمانية، وتفكك المنطقة إلى دول وأقاليم، وخلال المئة عام الأخيرة شهد الشرق الاوسط عشرات الحروب والحروب الأهلية، فقد شهدت المنطقة خلال 76 عاما منذ حرب فلسطين العام 1948 (14) حربا إقليمية ودولية، وعشرات الحروب الأهلية والثورات والانتفاضات والتوترات الواسعة، وفي الواقع لم تشهد أي منطقة في العالم وخلال الفترة ذاتها هذا القدر من الحروب.

من دون شك إن وجود إسرائيل كان أحد العوامل الأساسية في اندلاع الحروب والثورات والانتفاصات، وكانت القضية الفلسطينية، ولا تزال ذريعة لإشعال الحروب بما فيها الحرب الجارية الآن بين إيران من جهة والولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة ثانية. 

وخلال تلك الحروب قتل مئات الآلاف من الناس وهجر وشرد الملايين، ومن بين هؤلاء 6 ملايين لاجئ فلسطيني. وتم تفكك دول ودمرت مدن وقرى وجرت عمليات تطهير عرقي ومئات المذابح والمجازر، واستخدمت أكثر الأسلحة تطورا، والأسلحة الكيميائية والبيولوجية.

لم يسلم بلد ولا شعب ولا أقلية دينية أو عرقية من هذه الحروب والثورات والتوترات، ولم يمر عام في الشرق الأوسط بلا حروب، وبعضها استمر لعدة سنوات، كالحرب العراقية الإيرانية، وحرب العراق مع الولايات المتحدة، وحرب إسرائيل على غزة ولبنان. والحروب الأهلية التي كانت تستمر لسنوات في سوريا ولبنان وليبيا والسودان واليمن، وبعضها مستمر وقد يستمر للسنوات القادمة.

ويمكن أن نسأل أنفسنا نحن شعوب الشرق الأوسط: ما الاسم الذي يمكن أن نطلقة على منطقتنا؟ هل نطلق عليها "الجحيم"، أم "المسلخ" أو "وادي الشياطين"، أو "الحياة المفقودة"؟ نحن عالقون في حروب لا نهاية لها.. ما العمل؟ كيف يمكن أن تتصالح المنطقة مع نفسها ومع تاريخها، وأن يترك الطامعون المنطقة بحالها، وسأكون صريحا مع القارئ الشرق أوسطي.. عليه أن يتعايش مع الحروب حتى يأتي زمن مختلف.