عاجل

الرئيسية » اقتصاد » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 02 حزيران 2026

خرج باحثاً عن مصدر رزقه فعاد شهيداً

بقيت بعض القطع النقدية الملطخة بدمه… تفصيل صغير يُلخص الحكاية

عندما تعدم سياسة التجويع الاحتلالية الأحلام على حافة الجدار

نابلس-الحياة الجديدة-ميساء بشارات -لم يكن يحمل سوى حلم بسيط… أن يعمل، وأن يعيش، وأن يبني بيتاً صغيراً يشبه أحلامه المؤجلة. عماد هارون اشتية ( 25 عاماً) لم يكن يحمل سلاحاً، ولم يكن ذاهباً إلى مواجهة. كان يحمل حلماً بسيطاً يشبه أحلام آلاف الشبان الفلسطينيين، أن يعمل، وأن يؤسس نفسه، وأن يبني بيتاً صغيراً وعائلة كان ينتظرها منذ سنوات.

لكن عماد عاد إلى قريته سالم شرق نابلس شهيداً، ملفوفاً بالكفن الأبيض، بعدما اخترقت رصاصة الاحتلال فخذه وهو يحاول تسلق جدار الفصل العنصري في بلدة الرام، بحثاً عن فرصة عمل داخل أراضي 48.

على سريرٍ بارد في المستشفى، انتهت رحلة الشاب الذي خرج مع ساعات الفجر الأولى ليبحث عن رزقه، غير مدرك أن الدم الذي سينزف من جسده سيكون آخر ما يرافقه في الطريق.

رصاصة واحدة كانت كافية لتنهي حلماً كاملاً؛ نزيف حاد، وجسد شاب لم يحتمل الوقت الطويل قبل الوصول إلى العلاج، ليرتقي عماد شهيداً تاركاً خلفه أماً مكسورة، وأحلاماً لم تكتمل.

في منزل العائلة بقرية سالم، لم تكن والدته قادرة على الوقوف طويلاً.أغمي عليها أكثر من مرة منذ سماعها خبر استشهاده، فيما كانت شقيقاته يبكين بصوت مخنوق، وكأن البيت كله فقد روحه دفعة واحدة.

كانت تنتظره أن يعود مساء متعباً من العمل، لا أن يعود محمولاً على الأكتاف.

لم يكن عماد يبحث عن رفاهية أو ثراء. كان فقط يحاول أن يُمسك بحياة طبيعية في واقع يضيق يوماً بعد يوم.

قبل فترة، حاول أن يبني مستقبله في بلدته؛ افتتح محلاً لبيع الدواجن، وكان يأمل أن ينجح المشروع الصغير ليمنحه الاستقرار، لكن الركود والظروف الاقتصادية القاسية أغلقت الأبواب سريعاً في وجهه.

حينها، لم يبق أمامه سوى الطريق الأصعب؛ العمل داخل الخط الأخضر، كغيره من آلاف الشبان الفلسطينيين، صار الجدار بالنسبة له معبراً قاسيا نحو لقمة العيش، وخطراً يوميا يبتلع الأحلام والأعمار.

كان عماد يرمم جزءاً من منزله، ويدخر المال بهدوء من أجل خطوة جديدة في حياته.أراد أن يخطب فتاة، وأن يؤسس عائلة، وأن يبدأ حياته التي طال انتظارها.

كان يتحدث عن المستقبل ببساطة شاب يريد بيتاً وأطفالاً وعملا مستقراً، لكن الاحتلال أوقف كل شيء عند حافة الجدار.

عماد واحد من أكثر من (200) ألف عامل كانوا يلتقطون رزقهم داخل الخط الأخضر قبل أن يغلق الاحتلال الأبواب أمامهم منذ السابع من اكتوبر، إذ أعلنت صحيفة "يديعوت احرونوت" مؤخراً عن خطة تنفذها الحكومة الإسرائيلية والكنيست للاستغناء عن العامل الفلسطيني بشكل دائم، من خلال خطة لرفع العمالة الأجنبية إلى قرابة 400 ألف عامل خلال العام الحالي، وذلك في إطار خطة ممنهجة لتجويع الفلسطينيين.

وكان العمال داخل الخط الاخضر يشكلون قبل أحداث تشرين الأول 2023 نحو 18-20% من الأيدي العاملة، وبمنعهم من العمل ارتفعت نسبة البطالة في الضفة من نحو 14% إلى قرابة 32%. وكان هؤلاء العمال يدرون سيولة نقدية شهرياً للسوق الفلسطينية نحو 1.5 مليار شيقل أي تقريبا 18 مليار شيقل سنويا، ما كانت تشكل رافداً رئيسياً للاقتصاد الفلسطيني الذي تآكل آخر عامين بنحو الربع بفعل إجراءات الاحتلال وعدوانه بعد تشرين الأول 2023.

وكانت دائرة السلامة والصحة المهنية في اتحاد نقابات عمال فلسطين قالت إنها وثقت  (47) "شهيد لقمة العيش" منذ السابع من تشرين الثاني 2023 وحتى نهاية العام 2025، مشيرة إلى استمرار المخاطر التي تهدد العمال الفلسطينيين في مختلف أماكن عملهم، بينما استشهد 74 عاملًا فلسطينيًا خلال العام الماضي لأسباب مختلفة.

جنازة عماد خرجت من مدينة رام الله، قبل أن يزف إلى مسقط رأسه في سالم، حيث احتشد المشيعون في وداع ثقيل وموجع.

الأكتاف التي حملته كانت تعرف أنه لم يكن سوى شاب يحاول النجاة من ضيق الحياة، وأن رحلته الأخيرة لم تكن نحو مواجهة، بل نحو عمل.

وفي جيبه، بقيت بعض القطع النقدية الملطخة بدمه… تفصيل صغير، لكنه يلخص الحكاية .. شاب فلسطيني خرج يبحث عن رزقه، فعاد شهيدا.