أمانة المفاتيح وذاكرة التراب
محفوظ صافي يسرد ملحمة اللجوء من بيارات بيت نبالا إلى أزقة مخيم الجلزون

رام الله- الحياة الجديدة- عصام الريماوي- في غرفة بسيطة بمخيم الجلزون، يجلس الأستاذ محفوظ صافي (78 عاما)، محاطا بذكريات تمتد لأكثر من سبعة عقود.
محفوظ الذي يصف نفسه بأنه من "الجيل الثاني للنكبة"، يحمل في ذاكرته تفاصيل لم يعشها فحسب، بل ورثها أمانة عن والديه، ليكون شاهدا حيا على رحلة اللجوء الفلسطيني من بيارات بيت نبالا إلى خيام الشتات.
يقول صافي: "فتحت عيني في الخيمة وأنا في سن الثالثة أو الرابعة. كنت أسأل والدي: لماذا نحن في خيمة وأهل القرى المجاورة في بيوت؟، وكان الجواب: بيوتنا أخذها اليهود وطردونا. بدأت دراستي في خيام كانت تمثل المدرسة، وبقيت فيها حتى عام 1954 عندما بدأت وكالة الأونروا ببناء غرف مدرسية".
وأضاف: "والدتي حملتني وأنا طفل ابن خمسة أيام، ومشت بي مسافات متعبة؛ ومن حظي أنها لم تنسني كما حدث مع بعض النسوة اللواتي حملن مخدات بدلا من أطفالهن من شدة الخوف".
خمسة أيام في مهب الريح
بدأت حكاية محفوظ مع اللجوء وهو لم يتجاوز الخمسة أيام من عمره. ففي منتصف مايو/ أيار 1948، ومع انسحاب الانتداب البريطاني، هاجمت العصابات الصهيونية قرية بيت نبالا المجاورة لمطار اللد بالقذائف.
يروي محفوظ ما نقله له والداه عن تلك اللحظات: "خرج الناس باتجاه الشرق، تحت وطأة المجازر التي ارتكبتها عصابات "شتيرن والهرجون". حملته أمه مشيا على الأقدام، وتنقلوا بين قرى شقبا وشبتين بحثا عن الأمان والماء، في رحلة شاقة تخللتها معاناة لا توصف".
جمهورية الخيام.. المدرسة والعيادة والشرطة
تفتحت عينا محفوظ لأول مرة داخل خيمة في مخيم دير عمار، حيث كانت الخيمة هي الوحدة الأساسية للحياة. يصف محفوظ تلك المرحلة قائلا: "كانت المدرسة خيمة، والعيادة خيمة، ومركز الشرطة خيمة، وحتى مركز التغذية خيمة".
يتذكر بمرارة طفولته تحت القماش، حيث درس الصفوف الثلاثة الأولى في "خيمة تعليمية"، وعانى مع عائلته من "عذابات السكن"؛ من حر الصيف (الشوب) إلى برد الشتاء والرياح التي كانت تقتلع الخيام، وصولا إلى تراكم الثلوج الذي كان يشكل كارثة حقيقية. في عام 1954، بدأت "الأونروا" بناء غرف إسمنتية، التي بدت للاجئين حينها وكأنها "قصور" مقارنة بقسوة الخيام.
الجلزون.. ونكبة التوجيهي عام 1967
في عام 1961، انتقل محفوظ إلى مخيم الجلزون بعد تعيين والده مديرا لمطعم الوكالة هناك. وفي عام 1967، وبينما كان محفوظ يقدم امتحانات "التوجيهي" في رام الله، وقعت النكبة الثانية. يصف محفوظ تلك الحرب بأنها "نكبة جديدة" هجرت قرابة 950 ألف فلسطيني، مشيرا إلى أن ما حدث لم يكن مجرد نكسة، بل استمرار لمسلسل التهجير الذي طال مخيمات أريحا وغيرها.
ورغم سنوات البعد، بقيت بيت نبالا حاضرة في وجدان محفوظ. يروي بتأثر شديد تفاصيل زيارته للقرية بعد عام 1967 مع والده: نزل والدي على ركبتيه وبدأ يغمر رأسه بالتراب. استطاع والده التعرف على معالم القرية رغم الدمار؛ فرأى بئر البلد، والمدرسة التي تعلم فيها والده، وأشجار الزيتون التي كان يحرثها، والقبور التي ظلت شاهدة على أصحاب الأرض. وبغصة يذكر محفوظ: "أكلت من صبر بيت نبالا، والله ما ذقت في حياتي صبرا مثله".
مفاتيح الدار.. أمانة لا تشيخ
تتجسد قضية العودة عند محفوظ في "مفاتيح الدار" التي تسلمها من والده. يقول بإصرار: "في ناس أهملت المفاتيح، وفي ناس ظل عندها الجانب الوطني.. أنا ما زلت أحتفظ بها وسأسلمها لأولادي".
ويرى محفوظ أن الذاكرة الفلسطينية عصية على النسيان؛ ففي المخيم، لا يزال الطفل الصغير يقول: "أنا من بيت نبالا أو من العباسية"، والحارات لا تزال تحمل أسماء البلاد الأصيلة (حارة اللداوية، النبلية، المزنات) .
مسح تسمية المخيم
لا يتردد محفوظ في وصف الحرب الحالية على غزة والضفة بأنها "نكبة 2023-2024"، معتبرا إياها امتدادا لنكبتي 48 و67. ويشير بمرارة إلى أن ارهاب المستوطنين اليوم، المتمثل في مجموعات "شبيبة التلال" ومنفذي عمليات "تدفيع الثمن"، وهو "أعنف وأشد شراسة" مما ارتكبته عصابات الهاجاناة في الأربعينيات.
ويصف محفوظ المشهد الحالي في الضفة الفلسطينية المحتلة بأنه عملية "تبادل أدوار"؛ حيث يهجم المستوطنون على المنازل لتهجير أصحابها تحت حماية ومشاركة مباشرة من جيش الاحتلال.
ويؤكد أن ما يحدث اليوم في مخيمات الشمال مثل جنين وطولكرم يهدف بالأساس إلى "مسح تسمية المخيم"، لأن الاحتلال يخشى ما يمثله المخيم من رمزية لحق العودة.
ويربط محفوظ بين الإبادة في غزة واستهداف الأونروا، معتبرا أن إسرائيل تسعى لشطب الوكالة لأنها "الشاهد الدولي الوحيد" على قضية اللاجئين. ويقول: "عندما تتهدم مقرات الوكالة ويلغى دورها، فإنهم يحاولون إلغاء القرار 194 الذي يضمن حقنا في العودة".
الثبات والرفض القاطع للتهجير
في ظل التحديات الحالية واستهداف وكالة الأونروا، يؤكد محفوظ موقف اللاجئين الثابت: "نحن ثابتون هنا في فلسطين، لا رايحين نروح على الأردن ولا على مصر". ويرى أن محاولة إلغاء الأونروا هي محاولة لشطب "الشاهد الدولي" الوحيد على قضية اللاجئين وحقهم في العودة وفق القرارات الدولية.
يختم محفوظ حديثه بأمنية بسيطة ولكنها عميقة: "الأمن والسلام في أرض السلام"، وحماية دولية للأجيال.
يظل محفوظ صافي، بمفاتيح بيته وذاكرته المتقدة، شاهدا على شعب يرفض أن تتحول نكبته إلى نسيان، متمسكا بحق العودة كبقاء الروح في الجسد.
مواضيع ذات صلة
أحمد أبو سرّيس.. ذاكرة لا تموت
أمانة المفاتيح وذاكرة التراب
أطفال الدهيشة... أحفاد النكبة رواد العودة
7 شهداء في قصف طيران الاحتلال شقة ومركبة بمدينة غزة
الحرمان الشريفان يدخلان موسم الحج بجاهزية تشغيلية متكاملة
إحياء ذكرى النكبة في بودابست بحضور دبلوماسي وشعبي
النيابة والشرطة تحققان بواقعة وفاة مواطن شمال غرب القدس