عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 27 نيسان 2026

الأمين العام المساعد، رئيس قطاع فلسطين والأراضي العربية المحتلة، السفير مصطفى لـ"الحياة الجديدة": القضية الفلسطينية لم تعد ملفًا مؤجّلًا، بل اختبار حقيقي لمصداقية النظام الدولي

* الاعتراف بدولة فلسطين تراكم قانوني يعيد تشكيل المشهد الدولي ** الرأي العام العالمي يتغير لكن السياسات تتأخر

الحياة الجديدة- عبير البرغوثي-وسط تحولات دولية متسارعة تعيد رسم ملامح النظام العالمي، تعود القضية الفلسطينية إلى واجهة النقاش الدولي ولكن بصيغة مختلفة عمّا كانت عليه في السنوات الماضية.

لم تعد القضية تُطرح فقط ضمن سياق سياسي تقليدي مرتبط بمفاوضات متعثرة أو مسارات سلام مجمدة، بل باتت حاضرة بقوة في قلب جدل عالمي أوسع يتعلق بمفاهيم العدالة، وازدواجية المعايير، وحدود تطبيق القانون الدولي.

هذا التحول لم يأتِ بمعزل عن سياق دولي مضطرب، تتداخل فيه الحروب في العالم والمنطقة، وتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، واحتدام المنافسة بين القوى الكبرى، ما انعكس بشكل مباشر على أولويات الفاعلين الدوليين.

في هذا المشهد المركّب، برزت تطورات قطاع غزة كعامل حاسم أعاد تعريف موقع القضية الفلسطينية، حيث تحوّلت من ملف سياسي قابل للتأجيل إلى اختبار فعلي لمصداقية المنظومة الدولية وقدرتها على التعامل مع الأزمات وفق معايير موحّدة. كما أن اتساع رقعة الاحتجاجات في عواصم غربية، وتصاعد الخطاب القانوني داخل المؤسسات الدولية، يعكسان تحوّلًا في طبيعة التفاعل الدولي مع القضية، من إدارة النزاع إلى مساءلته.

وفي هذا السياق، تبرز محاولات دولية لإعادة إحياء المسار السياسي، من بينها مؤتمر بروكسل الأخير للتحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين، الذي أعاد تثبيت هذا الخيار كمرجعية سياسية، لكنه -بحسب التقديرات- يبقى مرهونًا بمدى قدرة المجتمع الدولي على ترجمة مخرجاته إلى خطوات عملية تتجاوز حدود البيانات.

في هذا اللقاء الخاص بـ"الحياة الجديدة"، يقدّم السفير فائد مصطفى، الأمين العام المساعد رئيس قطاع فلسطين والأراضي العربية المحتلة، قراءة معمّقة لهذه التحولات، متناولًا موقع القضية الفلسطينية في الأجندة الدولية، وأدوات الدبلوماسية الفلسطينية في هذه المرحلة، وحدود تأثير التحركات القانونية والسياسية، إضافة إلى السيناريوهات المحتملة لمستقبل الصراع في ظل توازنات دولية وإقليمية معقّدة.

فلسطين: من ملف مؤجل إلى اختبار أخلاقي

يرى السفير مصطفى أن القضية الفلسطينية لم تغب عن الأجندة الدولية، لكنها تغيّرت في طبيعتها. فبعد سنوات من إدارتها كـ "ملف سياسي مؤجل"، باتت اليوم تُطرح كاختبار أخلاقي وقانوني للنظام الدولي، خصوصًا في ظل ما شهدته الساحة الفلسطينية من تطورات، أبرزها الحرب على قطاع غزة.

ويشير إلى أن حجم الدمار وسقوط أعداد كبيرة من المدنيين، إلى جانب اتساع رقعة الاحتجاجات في عواصم غربية، أعاد فلسطين إلى مركز النقاش العالمي، لكن هذه المرة من زاوية مساءلة القانون الدولي ومعايير تطبيقه.

اليوم، لم يعد السؤال فقط عن استئناف مفاوضات، بل عن مصداقية القانون الدولي ذاته. حجم الدمار، وأعداد الضحايا المدنيين، كلها عوامل جعلت من القضية الفلسطينية محورًا لنقاش عالمي حول العدالة والمعايير المزدوجة.

 

الأزمات العالمية: تراجع أم إعادة تشكيل؟

في قراءة أوسع، يرى السفير مصطفى أن الحروب والأزمات العالمية لم تؤدِّ إلى تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية بقدر ما أعادت تشكيله. ويوضح أن الحرب في أوكرانيا استحوذت على جزء كبير من الجهد السياسي والعسكري الغربي، فيما أعاد التوتر مع إيران توجيه الأنظار نحو توازنات الأمن الإقليمي، لكن المفارقة أن هذه التطورات كشفت في الوقت ذاته عن ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي، ما أسهم في إعادة تسليط الضوء على الحالة الفلسطينية. ويشير إلى أن ما جرى في قطاع غزة شكّل نقطة تحوّل واضحة، حيث انتقل الخطاب الدولي من إطار "إدارة النزاع" إلى مسار المساءلة القانونية، وهو ما انعكس في تحركات داخل المحاكم الدولية ونقاشات في برلمانات أوروبية بشأن وقف تصدير السلاح، إلى جانب تنامي الاعترافات بدولة فلسطين، ما يعني – بحسب تقديره – أن العالم يشهد إعادة صياغة للاهتمام بالقضية، لا تراجعًا في جوهرها.

 

 

 

إعادة تموضع استراتيجي

يؤكد السفير فائد مصطفى أن الحديث لا يدور عن تراجع في مركزية القضية الفلسطينية، بل عن إعادة تموضع استراتيجي لها ضمن سياق دولي مختلف. ويوضح أنه في السابق كانت القضية تُدار ضمن إطار عملية سياسية تقليدية ترعاها الولايات المتحدة، بينما تُطرح اليوم في سياق أوسع يتجاوز المفاوضات إلى قضايا جوهرية، أبرزها إنهاء احتلال طويل الأمد، ومساءلة قانونية عن جرائم جسيمة، والمطالبة بتجسيد الدولة الفلسطينية كاستحقاق قانوني لا كمنّة سياسية. ويرى أن هذا التحول يفرض إعادة تعريف أدوات العمل الفلسطيني والعربي والدولي بما يتناسب مع طبيعة المرحلة الجديدة.

 

بروكسل وإحياء حل الدولتين: بين تثبيت المرجعية واختبار الإرادة الدولية

وفي سياق حديثه عن الحراك الدولي وإمكانيات إعادة تنشيط المسار السياسي، يربط السفير فائد مصطفى ذلك بمخرجات مؤتمر بروكسل الأخير، معتبرًا أن الاجتماع التاسع للتحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين شكّل محطة مهمة من حيث التوقيت وحجم المشاركة، إذ أعاد تثبيت حل الدولتين كمرجعية سياسية، وأكد على دعم الحكومة الفلسطينية ورفض الإجراءات الأحادية، وفي مقدمتها الاستيطان.

ويضيف أن أهمية هذا المؤتمر تكمن في كونه يعكس محاولة أوروبية–دولية لإعادة إحياء المسار السياسي بعد فترة طويلة من الجمود، بما ينسجم مع التحولات التي أشار إليها سابقًا في طبيعة التعاطي الدولي مع القضية الفلسطينية.

غير أن السفير مصطفى يشدد، في امتداد لرؤيته حول حدود الفاعلية الدولية، على أن تحويل هذه المخرجات إلى واقع ملموس يتطلب ما هو أبعد من البيانات السياسية، إذ يستدعي موقفًا أوروبيًا ودوليًا أكثر تماسكًا وصرامة تجاه السياسات الإسرائيلية، إلى جانب تفعيل آليات ضغط حقيقية لوقف الاستيطان، والانتقال نحو رعاية دولية متعددة الأطراف للعملية السياسية. كما يؤكد أن هذا المسار لا ينفصل عن ضرورة تعزيز الجبهة الفلسطينية الداخلية، بما يضمن قدرة أكبر على استثمار أي زخم دولي.

 

 

 

أدوات دبلوماسية متعددة المسارات

وفي سياق حديثه حول أدوات الدبلوماسية الفلسطينية، يوضح السفير مصطفى أن الدبلوماسية الفلسطينية تتحرك في هذه المرحلة ضمن منظومة متكاملة من الأدوات، تقوم أولًا على تفعيل الحضور متعدد الأطراف داخل الأمم المتحدة، لا سيما في الجمعية العامة ومجلس حقوق الإنسان، إلى جانب المسار القانوني الدولي عبر محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية. ويضيف أن من بين الركائز الأساسية أيضًا توسيع دائرة الاعترافات بدولة فلسطين وتعزيز تمثيلها الدبلوماسي، وبناء تحالفات مع دول الجنوب العالمي التي باتت تلعب دورًا متزايد التأثير في النظام الدولي. كما يشير إلى أهمية الاستثمار في الرأي العام العالمي، الذي تحوّل، وفق تقديره، إلى عنصر ضغط حقيقي على صانعي القرار في العديد من الدول.

 

فاعلية التحرك الدولي: بين قيود الفيتو ومسار التراكم

وانطلاقًا من هذا الإطار الذي تقوم فيه الدبلوماسية الفلسطينية على مسارات متعددة، يرى السفير فائد مصطفى أن الفيتو الأميركي في مجلس الأمن يشكّل عقبة سياسية، لكنه لا يلغي شرعية التحرك الدولي. ويشير إلى أن الجمعية العامة للأمم المتحدة باتت ساحة مركزية لتكريس العزلة السياسية لإسرائيل، فيما يظل المسار القانوني الدولي خارج نطاق تأثير الفيتو. ويؤكد أن هذا التحرك يتسم بطابع تراكمي، حيث إن كل قرار أممي، وكل رأي استشاري، وكل إجراء قانوني يضيف إلى الرصيد السياسي والقانوني الفلسطيني، ويسهم تدريجيًا في تقويض شرعية الاحتلال على المدى البعيد.

 

مراجعة داخلية: نحو دبلوماسية أكثر فاعلية واستباقية

وفي امتداد لهذا التوجه القائم على العمل التراكمي وتعدد المسارات، يقر السفير بوجود إدراك داخلي متزايد بضرورة تطوير أداء الدبلوماسية الفلسطينية، سواء على المستوى المؤسسي أو الخطابي. ويوضح أن المرحلة الراهنة لم تعد تحتمل الاكتفاء بردود الفعل، بل تتطلب الانتقال إلى الفعل الاستباقي، وصياغة استراتيجية طويلة المدى بدلًا من إدارة الأزمات اليومية. ويضيف أن أحد أبرز التحديات يتمثل في تعزيز التكامل بين المسارات السياسية والقانونية والإعلامية، بما يضمن توحيد الجهد وتعظيم تأثيره في الساحة الدولية.

ويرى أن هناك فجوة بين التعاطف الشعبي العالمي الواسع مع الفلسطينيين وبين ترجمته إلى سياسات حكومية. ومع ذلك، يشير إلى مؤشرات عملية مثل تزايد الاعترافات بدولة فلسطين وتصاعد الخطاب البرلماني الناقد للسياسات الإسرائيلية.

 

من التعاطف إلى السياسات: تحول تدريجي لكنه ملموس

وفي سياق تقييمه لمسار التحرك الدبلوماسي الفلسطيني، يوضح السفير أن التعاطف الشعبي العالمي مع القضية الفلسطينية واسع وغير مسبوق، خصوصًا في أوروبا وأميركا اللاتينية، لكنه يشير في الوقت ذاته إلى أن ترجمة هذا التعاطف إلى سياسات حكومية لا تزال تواجه قيودًا مرتبطة بالحسابات الداخلية للدول وبالتحالفات الاستراتيجية القائمة. ومع ذلك، يؤكد أن هناك مؤشرات عملية بدأت بالظهور، من بينها اعترافات جديدة بدولة فلسطين، ومراجعة بعض الدول لسياسات تصدير السلاح، إضافة إلى تصاعد الخطاب البرلماني الناقد للسياسات الإسرائيلية، معتبرًا أن هذا التحول وإن كان تدريجيًا، إلا أنه بات ملموسًا على أرض الواقع.

 

الاعتراف الدولي: تراكم قانوني يعزز المكانة السياسية

وفي قراءته لموجة الاعترافات الدولية بدولة فلسطين، يوضح السفير أن هذه الاعترافات لا يمكن اختزالها في بعدها الرمزي، بل تمثل عنصرًا مهمًا في تعزيز الشخصية القانونية الدولية لدولة فلسطين، بما يفتح المجال أمام إبرام اتفاقيات ثنائية ومتعددة الأطراف، ويمنح الفلسطينيين موقعًا أكثر رسوخًا داخل المحافل الدولية. ويقرّ بأن الاحتلال لا يزال قائمًا على الأرض، إلا أن الاعترافات الدولية تساهم في تراكم شرعية قانونية لا يمكن تجاوزها أو تجاهلها، مؤكدًا أن السيادة ليست منحة سياسية، بل مسار يُنتزع عبر التراكم القانوني والسياسي، وليس من خلال قوة الاحتلال.

 

إدارة العلاقة مع واشنطن: توازن بين الخلاف والتأثير

وانطلاقًا من مجمل التحديات التي تحكم مسار التحرك الدبلوماسي الفلسطيني على المستويين الدولي والإقليمي، يوضح الأمين العام المساعد رئيس قطاع فلسطين والأراضي العربية المحتلة أن الولايات المتحدة تبقى فاعلًا رئيسيًا في المعادلة الدولية، ما يجعل من التعامل معها ضرورة استراتيجية لا يمكن تجاوزها. ويشير إلى أن المطلوب في هذه المرحلة هو إدارة الخلاف السياسي دون قطع الجسور، مع العمل في الوقت ذاته على توسيع دوائر التأثير داخل المجتمع الأميركي نفسه، بما يشمل الكونغرس، والجامعات، ومراكز الأبحاث، ووسائل الإعلام. ويؤكد أن هذه العلاقة لا تقوم على منطق الصدام المطلق أو الارتهان المطلق، بل على إدارة توازن دقيقة تتيح الحفاظ على قنوات التأثير وتطويرها ضمن هامش سياسي محسوب.

وفي ظل المعارضة الأميركية، يدعو مصطفى إلى إدارة العلاقة مع واشنطن عبر توازن دقيق، يجمع بين الحفاظ على قنوات التواصل وتوسيع دوائر التأثير داخل المجتمع الأميركي، من الكونغرس إلى الجامعات ومراكز الأبحاث.

 

الرفض الإسرائيلي للمسار السياسي: أزمة إرادة وتداعيات متراكمة

وفي امتداد لقراءة المشهد السياسي الدولي وتعقيداته، يوضح د. مصطفى أن الرفض الإسرائيلي المتواصل لأي مسار سياسي لا يعكس غياب الوساطة بقدر ما يكشف، من وجهة نظره، عن غياب الإرادة السياسية لإنهاء الاحتلال. ويشير إلى أن هذا التعنت يسهم تدريجيًا في تعميق عزلة إسرائيل على الساحة الدولية، كما يعزز من قوة الحجج القانونية الموجهة ضد سياساتها. غير أنه في المقابل، يلفت إلى أن هذا المسار ينعكس على المدى القصير في ارتفاع منسوب التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة، ما يجعل المشهد أكثر تعقيدًا وتشابكًا.

 

تحولات دولية ودور عربي: بين الرأي العام وتحدي التأثير الفعلي

وفي سياق قراءته للتغيرات الجارية في البيئة الدولية، يشير السفير مصطفى إلى أن هناك تحولًا ملحوظًا في الرأي العام الغربي تجاه السياسات الإسرائيلية، وهو ما بدأ ينعكس جزئيًا داخل بعض البرلمانات والحكومات. ويوضح أن الخطاب السياسي في عدد من الدول بات أكثر جرأة في توصيف ما يجري، مع تصاعد النقاشات حول الاعتراف بالدولة الفلسطينية ووقف إطلاق النار، إلى جانب طرح مسألة المساءلة القانونية، مع التأكيد أن هذا التحول ما يزال في طور التشكل ولم يكتمل بعد.

وفي ما يتعلق بالدور العربي الرسمي، يؤكد السفير أن الدعم العربي للقضية الفلسطينية ما يزال ثابتًا على المستوى السياسي، وأن جامعة الدول العربية تبقى الإطار الجامع للموقف العربي، مع ازدياد فاعليتها كلما توفرت إرادة جماعية لتنسيق التحرك في المحافل الدولية. لكنه يلفت في الوقت نفسه إلى أن التحدي الأساسي يكمن في تحويل القرارات والمواقف إلى أدوات ضغط عملية، سواء عبر تحرك دبلوماسي موحد أو من خلال تفعيل أدوات التعاون الاقتصادي بما يعزز التأثير الفعلي على أرض الواقع.

 

المسار القانوني: أداة تراكمية لإعادة تعريف الصراع

وفي امتداد للحديث عن تطور أدوات التحرك الفلسطيني وتكامل مساراته الدبلوماسية، يوضح السفير أن المسار القانوني يمثل استثمارًا استراتيجيًا طويل الأمد، حتى وإن لم ينعكس فورًا على موازين القوى القائمة. ويشير إلى أنه يساهم في إعادة تعريف الصراع من منظور قانوني دولي، ويؤسس في الوقت ذاته لمسار مساءلة لا يسقط بالتقادم، ما يمنحه بعدًا تراكميًا متصاعدًا. ويؤكد أن فاعلية هذا المسار تزداد حين يتكامل مع المسار السياسي، بحيث يشكّلان معًا أداة أكثر تأثيرًا في تعزيز الموقف الفلسطيني على الساحة الدولية.

 

نحو مقاربة جديدة: من إدارة الأزمة إلى فرض الاستحقاقات الدولية

في سياق حديثه عن مستقبل المسار السياسي، يؤكد السفير أن المرحلة الراهنة لم تعد تحتمل العودة إلى الصيغة التقليدية التي تقوم على "استئناف مفاوضات بلا سقف زمني"، بل باتت تفرض انتقالًا واضحًا نحو مقاربة مختلفة تستند إلى استحقاقات القانون الدولي. ويشير إلى أن هذا التحول يعني عمليًا الدفع باتجاه حصول دولة فلسطين على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، إلى جانب العمل على عقد مؤتمر دولي للسلام يستند إلى مرجعية واضحة، وجدول زمني محدد، وضمانات تنفيذ ملزمة. ويضيف أن هذه الرؤية تأتي في إطار محاولة إعادة ضبط الإطار السياسي للصراع، بحيث لا يبقى رهينة إدارة الأزمة، بل يتجه نحو مسار سياسي أكثر إلزامًا ووضوحًا.

 

استثمار الزخم الدولي: شراكات وتواصل مع الرأي العام العالمي

وفي ما يتعلق بكيفية استثمار التحولات المتسارعة في الرأي العام العالمي، يوضح السفير أن هذا الزخم يمكن توظيفه عبر بناء شراكات مؤسسية مع منظمات المجتمع المدني الدولي، إلى جانب دعم حركات التضامن السلمية التي باتت تشكل رافعة ضغط مؤثرة في عدد من الدول. ويضيف أن تعزيز الحضور الإعلامي الفلسطيني بشكل مهني ومنظم يشكل عنصرًا أساسيًا في هذه المعادلة، خصوصًا في ظل اتساع دوائر التأثير الرقمي والإعلامي. كما يشدد على أهمية ربط الخطاب الفلسطيني بالقيم الكونية المشتركة، وفي مقدمتها الحرية والمساواة وحقوق الإنسان، بما يتيح تحويل التعاطف الشعبي المتزايد إلى قوة ضغط سياسية وأخلاقية أكثر فاعلية على مستوى الحكومات وصناع القرار.

 

مستقبل القضية الفلسطينية: بين الجمود والضغط الدولي المتراكم

وفي قراءته للسيناريوهات المحتملة لمستقبل القضية الفلسطينية، يوضح السفير مصطفى أن المشهد لا يزال مفتوحًا على ثلاثة مسارات رئيسية. الأول يتمثل في استمرار حالة الجمود السياسي مع ما يرافقها من تصاعد دوري في المواجهات الميدانية. أما السيناريو الثاني فيتعلق بفرض وقائع أحادية الجانب من قبل إسرائيل، بما يؤدي إلى تعميق سياسات السيطرة والضم على الأرض. في المقابل، يبرز السيناريو الثالث كخيار مرتبط بتراكم ضغط دولي تدريجي يمكن أن يفضي إلى فرض مسار سياسي جديد ينهي الاحتلال.

ويختم السفير بالإشارة إلى أن الاتجاه النهائي لتطورات المرحلة المقبلة سيظل مرهونًا بميزان الإرادة الدولية والعربية والفلسطينية، وبقدرتها على تحويل التحولات السياسية والقانونية الجارية إلى مسار فعلي على الأرض.

 

المؤتمر الثامن لفتح: محطة لإعادة صياغة الأولويات الوطنية

وفي سياق حديثه عن الاستحقاقات الداخلية، يشير السفير مصطفى، وبحكم عضويته في المجلس الثوري لحركة فتح، إلى أن المؤتمر الثامن للحركة يمثل محطة مفصلية في مسارها التنظيمي والسياسي، وكذلك في سياق المشروع الوطني الفلسطيني ككل. ويؤكد أن أهمية المؤتمر لا تقتصر على البعد الداخلي أو الهيكلي، بل تمتد إلى كونه فرصة لإعادة تجديد الرؤية السياسية، وتعزيز وحدة الحركة من الداخل، وإتاحة المجال لضخ دماء جديدة في مواقع القيادة وصنع القرار.

ويضيف أن معيار نجاح هذا المؤتمر لا يُقاس فقط بإنجازاته التنظيمية، بل بقدرته على ترسيخ مفهوم الشراكة الوطنية، وتحصين البيت الداخلي الفلسطيني، وصياغة برنامج نضالي جامع يتفاعل مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة. ويرى أن هذا المسار من شأنه أن يعيد الاعتبار لحركة فتح بوصفها حركة تحرر وطني تقود مشروع إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة بعاصمتها القدس الشرقية، ضمن رؤية أكثر اتساقًا مع التحديات الراهنة.

 

أخيرًا

في هذا اللقاء الذي خص به الحياة الجديدة، قدم السفير فائد مصطفى الأمين العام المساعد رئيس قطاع فلسطين والأراضي العربية المحتلة، قراءة ترى أن القضية الفلسطينية تمرّ بمرحلة تحوّل نوعي في موقعها ودلالاتها على الساحة الدولية، حيث لم تعد تُدار ضمن الإطار التقليدي للمفاوضات المؤجلة، بل باتت جزءًا من نقاش عالمي أوسع حول القانون الدولي ومصداقية النظام الدولي ذاته. وبين تصاعد الأزمات الإقليمية والدولية وتبدّل أولويات القوى الكبرى، تعود فلسطين لتفرض حضورها لا كملف سياسي فحسب، بل كاختبار مستمر لمعايير العدالة وازدواجية التطبيق.

ربط السفير بين التحولات السياسية والقانونية الجارية وبين ضرورة تطوير أدوات العمل الفلسطيني، بما يشمل توسيع المسارات الدبلوماسية، وتفعيل المسار القانوني، واستثمار التحولات في الرأي العام العالمي، إلى جانب إعادة بناء العلاقة مع مراكز التأثير الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة. كما يشدد على أن المرحلة المقبلة ستتحدد وفق ميزان تراكمي من الإرادات الدولية والعربية والفلسطينية، القادر على تحويل الزخم القائم إلى مسار سياسي ملموس.

ويفتح الحوار في مجمله على خلاصة أساسية مفادها أن القضية الفلسطينية، رغم تعقيدات الواقع، لا تتحرك نحو التراجع، بل نحو إعادة تشكّل في أدواتها ومجالات اشتباكها، مع بقاء سؤال الحسم السياسي رهينًا بتوازنات لم تستقر بعد.