بعد 40 يومًا من الإغلاق.. دموع الشكر تروي باحات أولى القبلتين

رام الله - وفا- مهند جدوع - لم تكن سجدة الشكر التي طبعها مسنّ مقدسي على عتبات "باب الأسباط" مجرد صلاة، بل كانت إعلانًا عن عودة الروح إلى جسد المدينة المقدسة، بعد أربعين يومًا من الحرمان فرضتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي، حالت بين المصلين ومسجدهم.
منذ الثامن والعشرين من شباط/فبراير الماضي، عاش المسجد الأقصى المبارك والبلدة القديمة من القدس حالة من الخنق والإغلاق، في سابقة لم تُسجّل منذ عام 1967، فغابت أصوات المصلين، وحُرم الآلاف من بلوغ رحابه، فيما خلت أسواق البلدة القديمة من المتعبدين والسياح.
اليوم، تحولت أبواب المسجد إلى ساحات للعناق والدموع والسجود، ولم يقتصر المشهد على كبار السن الذين ارتبطت حياتهم بصلاة الفجر، بل تقدّم الشبان الصفوف، يذرفون الدموع فرحًا، في صورة مهيبة تعكس مكانة المسجد في وجدان الفلسطينيين.
كاميرات المارة والناشطين، رصدت مقاطع مؤثرة تصدّرت منصات التواصل الاجتماعي، أظهرت مصلين يخرّون سُجّدًا فور عبورهم عتبات المسجد. كما ظهر أحدهم عند أحد الأبواب يحمل عبوة مناديل يوزعها على الداخلين، قائلا: "صرلنا 40 يوم محرومين من الأجر... الحمد لله، الناس بتمسح دموعها فرحًا برجوعها للأقصى".
هذه المشاهد أعادت التذكير بأن القدس ليست مجرد جغرافيا أو ملف سياسي، بل عقيدة حيّة وجزء من الهوية اليومية للفلسطينيين، وأن ارتباطهم بمسجدهم يتجاوز كل إجراءات الإغلاق، لتبقى "سجدة الشكر" أبلغ تعبير عن انتصار الإرادة.
وكالعادة، لم يترك الاحتلال مساحة للفرح دون تنغيص؛ فسرعان ما اصطدمت هذه المشاعر بواقع التضييق، إذ تحولت باحات المسجد إلى ساحة لإجراءات مشددة بذريعة تأمين الحماية للمستعمرين.
فقد تحولت الأبواب والساحات إلى نقاط تفتيش، جرى خلالها التدقيق في الهويات، والتنكيل ببعض الشبان، واحتجاز واعتقال آخرين، في محاولة واضحة لتعكير فرحة العودة.
ولم تتوقف الإجراءات عند هذا الحد، بل امتدت لتطال المرابطين؛ إذ أفادت محافظة القدس بأن شرطة الاحتلال اعتقلت إحدى المرابطات وأبعدتها عن المسجد، بعد ساعات من اعتقال شاب داخل باحاته، وإجبار آخرين على المغادرة تحت التهديد، تزامنًا مع بدء اقتحامات المستعمرين.
وعبّر أحد المواطنين المقدسيين عن ارتياحه لتمكنه من أداء الصلاة في المسجد الأقصى مجدداً، مؤكداً أن العودة إلى الصلاة الجماعية تمثل تعزيزاً لحضور المسلمين في المكان وإظهاراً لقيمهم الدينية.
وأشار إلى أن إغلاق دور العبادة أو الاعتداء عليها يشكل سابقة خطيرة، مستذكراً حادثة إغلاق كنيسة القيامة في وقت سابق، معتبراً أن ما يجري في المسجد الأقصى يبعث على القلق في ظل ما وصفه بالممارسات الاستفزازية داخل باحاته.
وأكد المواطن أن هذه الممارسات تسهم في تأجيج التوتر، داعياً إلى احترام قدسية الأماكن الدينية والحفاظ على الوضع القائم، مشدداً على ضرورة الابتعاد عن السياسات التي من شأنها إشعال الصراعات، واحترام حق الجميع في العيش بسلام.
ويأتي هذا التصعيد بالتوازي مع تنفيذ قرار يقضي بتمديد ساعات اقتحام المسجد لنصف ساعة إضافية، لتبدأ من الساعة 6:30 صباحًا، بما يرفع مدة الاقتحامات اليومية إلى نحو ست ساعات ونصف، في محاولة لترسيخ واقع جديد داخل الحرم.
وأدى المستعمرون طقوسًا تلمودية جماعية وعلنية مقابل قبة الصخرة، عند الرواق الغربي في المسجد الأقصى، كذلك أدوا ما يسمى "السجود الملحمي"، في ظل دعوات أطلقتها جماعات "الهيكل" المتطرفة لتكثيف الاقتحامات بأعداد كبيرة.
وفي وقت سابق، سُجّلت سبع محاولات لإدخال "قربان الفصح" الحيواني إلى المسجد، وهو أعلى عدد منذ عام 1967، ما يُعد مساسًا مباشرًا بالوضع التاريخي والقانوني القائم، وخطوة متسارعة نحو تكريس التقسيم الزماني والمكاني.
ومنذ حزيران 2025، وبإيعاز من المتطرف وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، وسع المستعمرون أداءهم للطقوس التلمودية لتشمل مناطق مختلفة من المسجد الأقصى، وأصبحت تُقام بشكل جماعي وبأصوات مرتفعة.
وكانت سلطات الاحتلال، استغلت غطاء "حالة الطوارئ" خلال الحرب الإسرائيلية الأميركية ضد إيران، وفرضت سلسلة من الإجراءات غير المسبوقة في المسجد الأقصى والبلدة القديمة من القدس، تمثلت في إغلاقه 40 يوما، وإغلاق كنيسة القيامة في زمن الصوم الأربعيني الذي سبق عيد الفصح، وفرض قيود صارمة على دخول المسلمين والمسيحيين.
وقال المستشار الإعلامي لمحافظة القدس معروف الرفاعي إن آلاف المواطنين المقدسيين توافدوا إلى المسجد الأقصى المبارك لأداء صلاة الفجر، وسط أجواء من الفرح والتأثر عقب إعادة فتحه، مشيراً إلى أن عدد المصلين تجاوز 6 آلاف مصلٍ وفق تقديرات دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس.
وأضاف الرفاعي أن هذه الأجواء لم تدم طويلاً، إذ أعقبتها مباشرة اقتحامات نفذها مستعمرون لباحات المسجد، بدأت عند الساعة السادسة والنصف صباحاً، أي بزيادة نصف ساعة عن التوقيت المعتاد الذي كان يبدأ عند السابعة صباحاً ويمتد حتى الحادية عشرة والنصف ظهراً.
ولفت إلى أن جماعات استيطانية كثفت خلال الفترة الماضية محاولاتها لإدخال قرابين حيوانية إلى المسجد الأقصى، حيث سُجلت سبع محاولات، تم إحباط خمس منها عند أسوار البلدة القديمة، فيما أُوقفت محاولتان عند أبواب المسجد، بعد وصولها إلى أزقة البلدة القديمة.
وأشار الرفاعي إلى أن اقتحامات المستوطنين عادت بالتزامن مع إعادة فتح المسجد أمام المصلين، مع تسجيل زيادة في مدتها خلال الفترة الصباحية، محذراً من مخططات تسعى، بحسب وصفه، إلى فرض واقع جديد في المسجد الأقصى، على غرار ما جرى في الحرم الإبراهيمي، ضمن مشاريع استيطانية أوسع في محيط ما يُعرف بالحوض المقدس.
مواضيع ذات صلة
بعد 40 يومًا من الإغلاق.. دموع الشكر تروي باحات أولى القبلتين
"جرذ" يزيد معاناة النازحة المريضة حجاج
مليون طفل في غزة بحاجة إلى الدعم النفسي والفتيات يواجهن مخاطر متزايدة
بين الخوف والحاجة: لماذا يتدافع المواطنون لتخزين السلع؟
شهداء النداء في أبو فلاح.. ثلاثة ارتقوا وهم يتصدون لهجوم المستعمرين
منيرة العامر.. امرأة تصنع اقتصادها الخاص بين الجدار والبوابات
رمضان في خيام النزوح… مطبخ صغير يعيد دفء المائدة إلى نازحي المواصي