عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 24 آذار 2026

يوم كُتِبَ بالنار في دير الحطب

"تصوير: عصام الريماوي"

نابلس – الحياة الجديدة – بشار دراغمة- لم يكن أمس الأول الأحد يوما عاديا في ريف نابلس، لم يكن يوما يروى، بل يوم ترتكب فيه فظاعات إرهاب المستوطنين.

المستوطنون، لم يطرقوا الأبواب، بل كسروا فكرة الباب، لم يسألوا عن أحد، بل أشعلوا السؤال بالنار، زجاجات حارقة سقطت على المنزل، ولم تكن مجرد زجاجات بل جمل من لهب، كل واحدة منها تقول: "احترق".

قرى تستيقظ على هدوء هش يشبه تلك الطمأنينة المؤقتة التي تأتي قبل الهيجان مباشرة، لا شيء أكثر من الترقب في بلدات بات فيها الوقت يكتب بالنار، البيوت تتحول إلى ذاكرة محترقة.

في دير الحطب، لم يبدأ المشهد بخبر، بل بصوت زجاجة حارقة ارتطمت بجدار بيت.. ثم ثانية، ثم ثالثة.. حتى صار الصوت جماعيا، كأن القرية كلها تُحرق دفعة واحدة.

لم يكن الصباح يشبه نفسه.. كانت الجدران التي اعتادت أن تحمل دفء العائلات تقف عارية من طمأنينتها بعدما خرجت للتو من حريق لا يزال يشتعل في الذاكرة.

هناك، عند باب بيت لم يعد بابا، يقف برهان عمر، لا يتفقد منزله بقدر ما يتفقد ما تبقى من قلبه، يشير بيده إلى السواد الممتد على الجدران قائلا: "دخلوا من كل الجهات، كانوا بالمئات.. يهاجمون اوكأنهم يعرفون كل زاوية في القرية".

لم يكن هجوما عابرا، بل اقتحاما كاملا، أشعلوا خلاله المنازل وأحرقوا السيارات واعتدوا على المواطنين بالرصاص والضرب، رواية يلخص فيها عمر حجم العدوان العنيف الذي تعرضت له دير الحطب.

لسان حال عمر يقول: "أشعلوا النار، لم يتركوا شيئا، كان هجوما عنيفا جدا، النار لم تأكل البيت فقط، بل تركت خلفها شعورا واضحا، بأن الهدف لم يكن التخويف بل الإلغاء لكل ما هو فلسطيني".

المواطنون الذين تفقدوا آثار الدمار بين سيارات محترقة وجدران سوداء بفعل النيران، كانوا يسيرون تحت أضواء خافتة كأنها تخجل من أن يكشف ما حدث.

يقول المواطن محمد حسين: "كان يوما يتكاثر فيه الخوف من كل هذه الاعتداءات المتتالية والمتكررة، كما تتكاثر الشرارات في الهشيم، يوما قررت فيه النار أن تمشي على قدمين، وأن تتكلم بلغة الحقد، وأن تختار بيوتا بعينها لتكون رسائلها، ولا نعرف أين يكون الهدف التالي".

يضيف حسين: "في دير الحطب شرق نابلس، لم يأت الهجوم خلسة، بل جاء كثيفا كعاصفة تعرف طريقها جيدا.

مئات المستوطنين، كما يقول حسين، اقتحموا القرية من كل الجهات، كأنهم يطوقون الحياة نفسها.

الهلال الأحمر كان يعد الجراح كما تعد الخسائر في حرب غير معلنة: رصاصة في قدم شاب، كسر في فخذ آخر سقط وهو يهرب من النار، ستة أجساد تحمل آثار الضرب، وصدر اختنق بالدخان، تسع إصابات وقرية كاملة أصيب قلبها.

محافظ نابلس غسان دغلس الذي تفقد آثار الدمار في دير الحطب  أصغى لحكايات البيوت التي طالها اللهب، وسمع الشهادات من أصحابها قال جملة بقيت معلقة في الهواء كوصية "رسالة المستوطنين هي الحرق والقتل، بينما رسالتنا الصمود والمواجهة". وأضاف، وكأنه يضع إصبعه على الجرح مباشرة: "هذه حكومة غطرسة تشجع إرهاب المستوطنين"، مصرا على إعادة بناء كل شيء.

لم تكن دير الحطب وحدها التي عاشت ارهاب المستوطنين يوم الأحد، وكأن العدوان ليس حادثة، بل خطة.

ففي بلدة قريوت جنوب شرق نابلس، لا يأتي الخوف فجأة، بل يقيم طويلا.

الأرض هناك تعرف وقع الأقدام الغريبة، وتعرف أن الزيتون صار شاهدا على اقتحامات تتكرر، حيث تتعرض القرية لاعتداءات متكررة تستهدف المزارعين وأراضيهم، وكأن المطلوب ليس فقط إخافة المواطنين، بل اقتلاع جذورهم من الأرض.

أما المسعودية، فليست مجرد موقع أثري يروي تاريخا قديما،بل أصبحت شاهدة على حاضر يتآكل.

هناك، تمر الاعتداءات بمحاذاة الحجارة العتيقة، كأن الزمن نفسه يستباح.

في خضم هذا التصعيد، خرج نداء، ليس بيانا عاديا، بل صرخة بحجم محافظة.

لجنة التنسيق الفصائلي في نابلس وصفت ما يجري بأنه ليست أحداث عابرة بل استهداف ممنهج ومنظم، مؤكدة أنه لا خيار إلا التصدي ولا طريق إلا الوحدة. ودعت اللجنة لتنظيم لملة شعبية وإعلامية تفضح الجرائم وشدد على دعم لجان الحماية، وناشدت العالم أن يتحمل مسؤوليته.