عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 21 كانون الثاني 2026

يسرقون الأرض بأمواتهم

نابلس– الحياة الجديدة – بشار دراغمة- لا أصوات مشيعين، كل شيء يجري خلسة، ولم يكن في المكان ما يدل على جنازة.. لا بكاء، لا دعاء يلقى على عجل قبل أن يبتلع التراب جثة غريبة، كل ما في الأمر مريب بالنسبة لأهالي بلدة الزاوية في محافظة سلفيت.

بدت الأرض وكأنها تحبس أنفاسها، بينما التلال المحيطة ببلدة الزاوية أدركت أن شيئا ينتزع منها دون استئذان.

أشجار الزيتون واقفة كعادتها، لكنها هذه المرة بدت وكأنها تشهد ولا تتدخل في مكان تقصى فيه الأرض عن أصحابها.

يوم السبت الماضي، لم يأت المستوطنون وجيش الاحتلال إلى أراضي بلدة الزاوية بجرافاتهم، بل وصلوا بنعش صامت، دفنوا جثة في أرض تقدر مساحتها بـ180 دونما، في إطار مسلسل سيطرة مستمر على الأراضي الفلسطينية.

محمد شقير شاهد عيان من بلدة الزاوية يروي كيف كانت الحقول تمتد بلا أسماء، وكيف كان الفلاح يعرف حدوده بذاكرته لا بالخرائط، بينما اليوم كل شيء تشوه في أراضي البلدة بفعل عمليات مصادرة واستيطان مستمرة.

يقول محمد الذي سكن الوجع قلبه: "لم نعد نميز الأرض التي ما زلنا نثق أنها لنا من كثرة المستوطنات في المكان، كل شيء بات مشوها حتى أصبحنا نشبه الغرباء عن أرضنا".

ويضيف: "الاستيطان يلف الزاوية وكل محافظة سلفيت كما يلف الكفن الجسد، بطيئا ومحكما، بلا ضجيج لكنه يسرق النفس".

يقول شقير بلسان متعب: "هذه الأرض نعرفها حجرا حجرا، لم تكن يوما مهجورة، ولم تكن بلا أصحاب، فجأة صارت مقبرة، وفجأة صار وجودنا حولها تهديدا".

واعتبر محافظ سلفيت مصطفى طقاطقة ما حدث على أراضي الزاوية انتهاكا صارخا للقانون الدولي الإنساني، وتعد واضح على حقوق أبناء شعبنا الفلسطيني وممتلكاتهم وأراضيهم.

وأكد أن هذا الإجراء يشكل اعتداء جديدا على حرمة الأرض الفلسطينية، وامتدادا لسياسة الاحتلال القائمة على فرض الأمر الواقع، وسلب الأراضي، وتغيير معالمها دون أي مسوغ قانوني، في مخالفة فاضحة لكافة القوانين والمواثيق الدولية، وعلى رأسها اتفاقيات جنيف.

وشدد طقاطقة على أن محافظة سلفيت ستتابع هذا الانتهاك مع الجهات الرسمية والحقوقية المختصة، وتعمل على توثيقه ورفعه إلى المؤسسات الدولية.

رئيس بلدية الزاوية أمير شقير يؤكد أن الاحتلال والمستوطنين استولوا على قرابة 180 دونما من أراضي البلدة لتتحول إلى مقبرة استيطانية، ودفن فيها أحد الموتى، في المنطقة الغربية من البلدة، خلف الجدار، حيث لا صوت لأصحاب الأرض ولا حق لهم في العبور حتى إلى أحزانهم.

ويعتبر شقير أن الهدف واضح وهو ضم المزيد من الأراضي في ظل تصاعد موجة اعتداءات المستوطنين بحق المواطنين.

الزاوية، هذه البلدة التي كانت تشبه اسمها، هادئة، بعيدة عن ضجيج الخرائط، باتت اليوم في قلب العاصفة، اعتداءات متواصلة لا تعرف التوقف، تجريف للأراضي واقتلاع لأشجار الزيتون التي عاشت أكثر مما عاش المستوطنون، إخطارات بالاستيلاء على آلاف الدونمات، كل ذلك ضمن مخططات استيطانية تستهدف تغيير الطابع الجغرافي والديمغرافي لمحافظة سلفيت، وكأن الجغرافيا جريمة، والديمغرافيا تهمة، هذا ما يقوله الباحث والكاتب خلف خلف من محافظة سلفيت واصفا الواقع الحالي.

ويضيف خلف: "إقامة المقابر الاستيطانية ليست تفصيلا عابرا إنما وسيلة جديدة لفرض وقائع على الأرض، وحرمان أصحابها من الوصول إليها، فالمقبرة، في هذا السياق، ليست مكانا للموت، بل أداة لمزيد من الاستيطان، بها يغلق الاحتلال الطريق، ويمنع المواطن من حقه، وتصادر الأرض باسم حرمة الموتى، بينما تنتهك حرمة الأحياء كل يوم".

ويتابع: "ما يجري ليس إلا سرقة متواصلة للأرض، وضما صريحا لأراضي الضفة المحتلة، تطبيقا عمليا لمخططات حكومة اليمين الإسرائيلي المتطرف".

ويرى خلف أن أخطر ما في هذه السياسة أنها تحول الموت إلى وثيقة ملكية، وتستخدم الجثث غطاء للنهب.