عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 21 كانون الأول 2025

اللواء علام السقا: نعمل بأقل الإمكانيات ونبني أمنًا يحاكي الدولة لا الظرف ونضع المواطن شريكًا أساسيًا في حفظ النظام

مدير عام الشرطة في حوار صريح مع "الحياة الجديدة"

 

رام الله- الحياة الجديدة- حوار عبير البرغوثي:

في ظل واقع سياسي وأمني معقّد، وحصار إسرائيلي يقيّد الحركة ويضغط على المنظومة الأمنية، تجد الشرطة الفلسطينية نفسها أمام اختبار يومي مزدوج: حفظ الأمن الداخلي، وبناء ثقة المجتمع. مدير عام الشرطة الفلسطينية اللواء علام السقا يفتح في هذا الحوار الخاص مع الحياة الجديدة ملف العقيدة الأمنية، والتحديات الميدانية، والإصلاحات الداخلية، وحدود العلاقة مع المواطن والصحافة، وصولًا إلى هواجسه الشخصية تجاه مستقبل الأمن الفلسطيني.

فمنذ تسلمه مهامه بقرار من الرئيس محمود عباس، يقود اللواء السقا جهاز الشرطة الفلسطينية في واحدة من أكثر المراحل حساسية. مرحلة تتقاطع فيها الضغوط السياسية مع القيود الاحتلالية، وتتزايد فيها مطالب المجتمع بالأمن والخدمة والعدالة. في هذا الحوار، لا يتحدث السقا بلغة الشعارات، بل بلغة الواقع، واضعًا فلسفة "الشرطة المجتمعية" في مواجهة نموذج الضبط التقليدي، ومؤكدًا أن الأمن لا يُبنى بالقوة وحدها، بل بالشراكة والوعي وسيادة القانون.

 

فلسفة أمنية مزدوجة: ضبط النظام وخدمة المجتمع

في مقاربته لإدارة العمل الشرطي، يؤكد اللواء علام السقا أن الفلسفة الأمنية التي تقود بها الشرطة الفلسطينية اليوم تنطلق من قراءة واقعية لتعقيدات المشهد السياسي والاجتماعي، وتقوم على تبنّي نموذج الشرطة المجتمعية بوصفه استجابة عملية لخصوصية الحالة الفلسطينية. فهذه المرحلة، بما تحمله من تحديات وضغوط، لم تعد تحتمل مقاربة أمنية تقليدية تقتصر على ضبط النظام، بل تستدعي نموذجًا أوسع يوازن بين فرض الأمن وتقديم الخدمة للمواطن.

ويشير السقا إلى أن عمل الشرطة يقوم حاليًا على مسارين متوازيين ومتساويين في الأهمية؛ الأول معني بحفظ الأمن والنظام العام، والثاني يركز على تقديم خدمة شرطية مباشرة للمواطن الفلسطيني. ويؤكد أن نجاح أي جهد أمني لا يتحقق بالقوة وحدها، بل ببناء جسور الثقة مع المجتمع، والحفاظ على النسيج الاجتماعي والسلم الأهلي.

وانطلاقًا من ذلك، تعمل الشرطة الفلسطينية على خلق حاضنة شعبية داعمة لأدائها، عبر تفعيل أدوار الشرطة المجتمعية في التواصل مع المواطنين، وشرح آليات العمل الشرطي، وتعزيز مبدأ الشراكة والمسؤولية المشتركة. ويعتبر السقا أن هذه الثقة المتبادلة تشكّل الركيزة الأساسية لأمن مستدام، يحمي المجتمع ويعكس احتياجاته، بدل أن يفرض عليه نموذجًا أمنيًا منفصلًا عن واقعه.

 

استراتيجية طويلة الأمد.. رغم تغيّر الواقع

ويرى اللواء علام السقا أن امتلاك استراتيجية أمنية طويلة المدى لم يعد ترفًا مؤسسيًا في الحالة الفلسطينية، بل ضرورة تفرضها سرعة التحولات السياسية والأمنية وتعقيد الواقع الميداني. فمنذ تكليفه بمهام مدير عام الشرطة الفلسطينية بقرار من الرئيس محمود عباس، شرعت قيادة الشرطة في إعداد استراتيجية شاملة تنطلق من قراءة دقيقة لإمكانات الجهاز، سواء على المستوى اللوجستي أو البشري، وبما ينسجم مع قدراته الفعلية ويضمن خدمة المواطن بصورة مستدامة وصولًا إلى قيام دولة فلسطين.

ويؤكد أن هذه الاستراتيجية لم تُصغ كردّ فعل ظرفي، بل كخطة طويلة الأمد تمتد لما لا يقل عن خمس سنوات، تأخذ بعين الاعتبار الواقع الحالي وتستشرف احتياجات المستقبل، خاصة في ظل التعقيدات الجغرافية والسياسية المرتبطة ببناء دولة فلسطينية كاملة السيادة بحدودها وعاصمتها. ولهذا الغرض، جرى تكليف إدارات مختصة داخل جهاز الشرطة بمتابعة تنفيذ الاستراتيجية وتقييمها بشكل دوري، وفي مقدمتها دائرة التفتيش والرقابة، لضمان التصويب والتطوير كلما دعت الحاجة.

ويضيف أن ضمان استمرارية هذه الرؤية يتم عبر منظومة متكاملة من المتابعة والمساءلة والتقييم، وقراءة الأثر الإيجابي على الأرض، إلى جانب تذليل المعيقات التي قد تعترض التنفيذ من خلال مراجعة الواقع وتطوير بعض البنى التنظيمية. وفي هذا السياق، اتجهت الشرطة إلى استحداث أقسام جديدة، أبرزها قسم الإسناد والنجدة، بوصفه المستجيب الأول لنداءات المواطنين، استجابة لمطلب مجتمعي ملح.

وفي إطار الرؤية المستقبلية، يشير السقا إلى أن الشرطة الفلسطينية تعمل على مشروع وطني متكامل يحاكي نموذج الدولة، يتمثل في مشروع الطوارئ (911)، بمشاركة جميع الأجهزة الأمنية، والدفاع المدني، والهلال الأحمر. ويهدف المشروع إلى إنشاء منظومة أمنية موحّدة وشاملة، قادرة على تلبية احتياجات المواطنين في مختلف مناطق فلسطين، بما يعزز مفهوم الأمن الشامل ويؤسس لمرحلة أكثر تنظيمًا وكفاءة في العمل الأمني.

ويكشف اللواء السقا انه ووفقا للدراسات الصادرة عن ادارة البحوث والتخطيط تبين أن نسبة انجاز القضايا السنوي الذي تحققه الشرطة  يتراوح ما بين 82 الى 88% من مجمل القضايا الواردة الى اقسام وإدارات الشرطة بينما بلغ الانجاز النصف سنوي لهذا العام 85%.

 

التحدي الأخطر: قيود الاحتلال لا الجريمة المنظمة

من منظور الشرطة الفلسطينية، لا يكمن التحدي الأمني الأخطر في الضفة الغربية في انتشار السلاح أو في وجود جريمة منظمة بالمعنى المتعارف عليه، بقدر ما يتمثل في الإجراءات الاحتلالية التي تُقيّد الحركة وتفكك الجغرافيا. فانتشار ما يزيد على ألف حاجز عسكري في الضفة الغربية، بين ثابت ومتحرك وترابي، يشكّل عبئًا مباشرًا على قدرة الشرطة على الوصول السريع إلى بعض المناطق، ويحدّ من فاعلية حضورها الميداني، الأمر الذي يفتح المجال أمام اختلالات أمنية مؤقتة في مناطق بعينها.

ويؤكد اللواء علام السقا أن الحديث عن جريمة منظمة في الضفة الفلسطينية لا يستند إلى واقع موضوعي، موضحًا أن المجتمع الفلسطيني، بطبيعته الوطنية وتماسكه الاجتماعي، ينبذ الجريمة، وأن هناك حالة وعي وتعاون قائمة بين المواطن والأجهزة الأمنية للحفاظ على النظام الداخلي. ويقول: "صحيح أن الجريمة، شأنها شأن أي مجتمع في العالم، موجودة في فلسطين، لكنها تبقى ضمن مستويات محدودة، ولا ترتقي إلى بنية الجريمة المنظمة، حتى في ظل الضغوط الاقتصادية والظروف السياسية الصعبة".

وفي ما يتعلق بانتشار السلاح غير الشرعي، يقرّ السقا بوجود هذه الظاهرة، لكنه ينفي أن تكون قد تحولت إلى حالة فوضى. ويشير إلى أن الأجهزة الأمنية لا تعترف إلا بالسلاح الشرعي الفلسطيني، وقد حققت تقدمًا ملموسًا في الحد من المظاهر المسلحة غير المنضبطة، بما في ذلك إطلاق النار العشوائي خلال المناسبات والمسيرات، وهو ما انعكس في تراجع هذه الظواهر مقارنة بالسنوات السابقة، نتيجة العمل الأمني المشترك والمتواصل.

أما عن مصادر السلاح غير الشرعي، فيوضح أن معظمها يدخل إلى الضفة من مناطق الداخل، إلى جانب أسلحة يتم تحويلها أو تصنيعها بطرق بدائية، مؤكدًا أن عمليات التهريب لا تتم إلا عبر هذه القنوات، وأن الأجهزة الأمنية تواصل جهودها لمحاصرة الظاهرة ضمن الإمكانيات المتاحة والقيود المفروضة.

حين يتداخل الأمني بالاجتماعي: غياب السلطة يؤجّج العنف

وفي مقاربة الشرطة الفلسطينية لظاهرة تداخل البعد الأمني بالبعد الاجتماعي، لا سيما الشجارات العائلية التي تتطور أحيانًا إلى اشتباكات مسلّحة، يوضح اللواء علام السقا أن هذه الحالات تتركّز في الغالب في مناطق لا تخضع للسيطرة الأمنية الفلسطينية المباشرة. ويشير إلى أن غياب السلطة الفلسطينية عن بعض الجغرافيا، كما هو الحال في المناطق الجنوبية من محافظة الخليل المصنّفة (H2)، يخلق فراغًا أمنيًا تستغله النزاعات العائلية للتفاقم والتحول إلى أعمال عنف وإطلاق نار.

ويمتد هذا الواقع، بحسب السقا، إلى مناطق ضواحي القدس، حيث يؤدي غياب المنظومة الأمنية الفلسطينية إلى ارتفاع احتمالات تفجّر الخلافات الاجتماعية وتحولها إلى جرائم قتل، في ظل غياب الردع القانوني والقدرة على التدخل السريع. وفي المقابل، يلفت إلى أن المناطق الخاضعة لسيطرة الشرطة الفلسطينية تسجّل معدلات متدنية جدًا في جرائم القتل، ما يعكس الأثر المباشر لحضور الأمن وسيادة القانون في ضبط النزاعات قبل خروجها عن السيطرة.

ويؤكد مدير عام الشرطة أن المقارنة مع دول الجوار وحتى مع مناطق الداخل تظهر بوضوح أن فلسطين تسجّل من أقل نسب جرائم القتل، حيث تقتصر الحالات على حوادث فردية متباعدة زمنياً. ويرى أن المشكلة لا تكمن في طبيعة المجتمع، بل في غياب المنظومة الأمنية في بعض المناطق، وهو غياب يسهم في تأجيج الجريمة ويفتح المجال أمام العنف الأهلي، في حين يظل حضور الشرطة عاملًا حاسمًا في حماية السلم المجتمعي ومنع انزلاق الخلافات الاجتماعية إلى مواجهات دموية.

 

الرقابة والمساءلة: صفر تسامح مع العنف

ويقرّ اللواء علام السقا بأن مسألة استخدام القوة تبقى موضع نقاش وانتقاد في عمل الشرطة حول العالم، إلا أنه يؤكد أن الشرطة الفلسطينية تعاملت مع هذا الملف بوصفه أولوية مؤسسية لا تقبل المساومة. ويشير إلى أن العام الجاري شهد أدنى نسبة شكاوى قُدّمت بحق جهاز الشرطة، وهو ما يعكس، برأيه، أثر السياسات الداخلية التي جرى ترسيخها خلال السنوات الماضية.

ويؤكد السقا أن احترام المواطن وعدم الاعتداء عليه يشكّلان حجر الأساس في العقيدة المهنية للشرطة الفلسطينية، وهو شعار لم يبقَ في إطار الخطاب، بل تُرجم إلى منظومة رقابة ومساءلة واضحة. وفي هذا السياق، جرى تفعيل دور إدارات متخصصة، أبرزها دائرة المظالم والمجالس التأديبية، لمحاسبة أي عنصر يثبت تجاوزه للقانون أو إساءته للمواطن، إلى جانب إجراءات داخلية هدفت إلى الحد من أي ممارسات عنيفة، حتى باتت هذه الحالات شبه معدومة.

ويضيف أن تفعيل دور المفتش العام، وتعزيز حضور النقابة، ومتابعة مجريات التحقيقات بشكل مباشر، كلها أدوات أسهمت في ضبط الأداء الشرطي، ضمن إطار يحترم الحريات العامة وحقوق الإنسان. ويشدد على أن سياسة الجهاز واضحة وصريحة: يُمنع منعًا باتًا استخدام العنف ضد أي مواطن خارج نطاق القانون.

وفي موازاة الرقابة الداخلية، يشير السقا إلى أن هيئات رقابية مستقلة تتابع أداء الشرطة وتطّلع على إجراءاتها، مؤكدًا أن أي تصرف عنيف يُعد سلوكًا فرديًا لا يعكس سياسة المؤسسة ولا نهجها. وأي شكوى تَرِد، سواء عبر الهيئات المستقلة أو دائرة المظالم أو الشرطة المجتمعية، تُعالج بجدية كاملة، وصولًا إلى محاسبة المخطئ وفق الأطر القانونية المعمول بها.

 

ثقة الجمهور: الشراكة أساس الرضا

وفي سياق الحوار الخاص بـ"الحياة الجديدة"، يربط اللواء علام السقا مستوى ثقة الجمهور بالشرطة بمدى حضورها الفاعل في الميدان وقدرتها على الاستجابة السريعة لاحتياجات المواطنين. فكلما كانت إنجازات الشرطة أكثر وضوحًا وتأثيرًا على الأرض، لا سيما في إطار "المستجيب الأول"، كلما ارتفعت مؤشرات الرضا الشعبي وتعزز الشعور بالأمان لدى الجمهور.

ويؤكد السقا أن التحول الأبرز خلال السنوات الأخيرة تمثّل في توسيع مفهوم الشراكة مع المواطن، لا باعتباره متلقيًا للخدمة فحسب، بل شريكًا أساسيًا في إنفاذ القانون. ويشير في هذا السياق إلى أن تأسيس إدارة الشرطة المجتمعية، وإطلاق شعار “المواطن شريك أساسي في إنفاذ القانون”، أسهما في ترسيخ حالة من الطمأنينة لدى المواطنين، وشعورهم بأنهم جزء من منظومة الأمن لا خارجها.

وفي الإطار ذاته، يكشف مدير عام الشرطة أن الشرطة عملت على توسيع برامج التوعية والإرشاد، وتعزيز حضورها المباشر في الشارع، عبر الاستماع لشكاوى المواطنين وملاحظاتهم، بما في ذلك القضايا العالقة التي ساعدت الشرطة في إيجاد حلول لها. كما أسهمت هذه المقاربة في توسيع نطاق الوصول إلى مناطق لم تكن تحظى سابقًا بحضور شرطي منتظم، من خلال تشكيل مجالس محلية بالشراكة مع البلديات والمجالس القروية. ووفق السقا، أتاح هذا النموذج للشرطة القدرة على إنفاذ القانون وتعزيز الاستقرار في مختلف المناطق الفلسطينية، حتى في الأماكن التي يقيّد فيها الواقع الميداني الحضور الأمني المباشر.

حرية الصحافة: شراكة لا صدام

ويؤكد اللواء السقا أن حرية الصحافة وحق الصحفي في التغطية يشكّلان خطًا أحمر في عمل الشرطة الفلسطينية، ما دام الصحفي يلتزم بالإطار القانوني الناظم للعمل الميداني. ويشير إلى أن القانون كفل للإعلاميين حرية أداء مهامهم، ولم تُسجَّل أي حالات اعتداء مقصودة على صحفيين أثناء عملهم في الميدان، بل على العكس، تقوم العلاقة بين الشرطة والصحافة على الشراكة والتكامل لا على الصدام.

وفي هذا السياق، يلفت اللواء إلى أن الشرطة الفلسطينية نفّذت مؤخرًا مشروعًا تدريبيًا في مدينة بيت لحم، ركّز على السلامة المهنية والأمنية للصحفيين، وذلك بالتعاون مع نقابة الصحفيين الفلسطينيين، وشارك فيه عدد واسع من الإعلاميين من مؤسسات مختلفة، في خطوة تعكس الحرص على تعزيز بيئة آمنة للعمل الصحفي.

ويضيف أن مسيرته في مؤسسات السلطة الفلسطينية لم تشهد اعتداءات مباشرة على الصحفيين بقصد الاستهداف، إلا أن بعض الاحتكاكات قد تقع في سياق أحداث ميدانية معقّدة، كالمسيرات والاحتجاجات التي تتخللها تجاوزات للقانون، حيث تضطر الشرطة إلى التدخل وفق مبدأ التدرج في استخدام القوة. وفي مثل هذه الحالات، يكون الصحفيون في قلب الحدث، ما قد يعرّضهم أحيانًا لمخاطر غير مقصودة. ومع ذلك، يشدد السقا على أن الشرطة ترفض أي مساس بالصحفيين، ولا تسمح بأي اعتداء عليهم طالما التزموا بمواقعهم المهنية ولم يتجاوزوا القانون، مؤكدًا أن حماية الصحافة جزء لا يتجزأ من احترام الحريات العامة وسيادة القانون.

 

جرائم العصر: مواجهة إلكترونية بقدرات محدودة

ومع تصاعد الجرائم الإلكترونية والاحتيال المالي، يرى اللواء علام السقا أن التحولات في طبيعة الجريمة لم تعد استثناءً، بل باتت انعكاسًا مباشرًا للتغيرات التكنولوجية والاقتصادية التي يشهدها العالم، حيث تتصدر الجرائم الإلكترونية والاحتيال المالي المشهد الإجرامي على المستويين الإقليمي والدولي. ويؤكد أن تراجع الأوضاع الاقتصادية في فلسطين أسهم في تفاقم هذا النوع من الجرائم، ما فرض على الشرطة الفلسطينية إعادة تقييم أدواتها وأساليب عملها لمواكبة هذه التحديات المستجدة.

 

وفي هذا الإطار، يشير السقا إلى أن الشرطة عملت على تطوير إدارة الجرائم الإلكترونية، لتصبح وحدة متخصصة تعمل بمهنية عالية، مدعومة بكوادر خضعت لدورات تدريبية متقدمة في دول عربية وأجنبية، إلى جانب تبادل الخبرات الفنية مع أجهزة شرطية في دول مجاورة. ويضيف أن هذا التطوير لم يقتصر على الجانب التدريبي فحسب، بل شمل تعزيز آليات المتابعة والتحليل والرقابة، بما يتيح التعامل مع هذا النوع من الجرائم بفاعلية أكبر.

ويؤكد مدير عام الشرطة أن الجرائم الإلكترونية تمثل ظاهرة عالمية لا تنفصل عنها فلسطين، بوصفها جزءًا من هذا العالم الرقمي المفتوح. ومن هنا، تواصل الشرطة الفلسطينية جهودها لمحاصرة هذه الجرائم والحد من آثارها، عبر العمل الوقائي والتقني والقانوني، بما يضمن حماية المواطنين ومصالحهم في ظل واقع متغيّر وسريع التطور.

 

القتل والجريمة: غياب الأمن يولّد الانتقام

وفي تحليله إلى أسباب الجريمة في فلسطين، يشير اللواء علام السقا إلى أن أسباب جرائم القتل في فلسطين متعددة، وتشمل أبعادًا اجتماعية واقتصادية، إلى جانب حالات محدودة تتعلق بالصراعات بين العصابات أو تجارة المخدرات. ومع ذلك، يؤكد السقا أن فلسطين تتمتع بمعدلات منخفضة نسبيًا في جرائم القتل، فخلال الشهر الجاري، على سبيل المثال، لم تُسجَّل أي حالة قتل، ما يعكس قدرة الشرطة على ضبط المشهد الأمني عند توافر حضورها الميداني.

ويؤكد أن معظم حالات القتل تحدث في المناطق التي يغيب فيها الأمن الفلسطيني، حيث يخلق الفراغ الأمني خللًا في النسيج الاجتماعي ويحفز البعض على الانتقام بأيديهم، نتيجة غياب القانون والرقابة. وفي المقابل، تؤكد الشرطة أن المناطق الخاضعة لسيطرتها تتميز بمعدلات منخفضة جدًا في جرائم القتل، لأن المواطن يلجأ فيها إلى القانون وتسود فيها منظومة الردع الشرطي، ما يحد من أي تصعيد للعنف ويعزز السلم الأهلي.

 

التحقيق والأدلة الجنائية: خبرات تتراكم

وحول التجهيزات والتقنيات، يقر اللواء علام السقا أن تجهيزات وتقنيات الشرطة الفلسطينية تتوافق مع الإمكانيات المتاحة في ظل الواقع الاقتصادي والسياسي الصعب، وخاصة القيود الناتجة عن الحصار الإسرائيلي. فخلال وضع الخطة الإستراتيجية للجهاز، تم الأخذ بالاعتبار الموارد المتوفرة، مع إدراك الحاجة الماسة لتقنيات ومعدات أكثر تطورًا لمواكبة التطورات العالمية في العمل الأمني.

ويكشف أن الشرطة تمتلك اليوم مختبرًا جنائيًا قادرًا على تلبية الاحتياجات الأساسية، رغم أنه بحاجة إلى تطوير مستمر، كما أن إدارة الجرائم الإلكترونية تحتاج إلى برامج متقدمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي وأدوات تحليل حديثة. ورغم القيود المفروضة على إدخال المعدات من الخارج، فإن الإمكانيات الحالية تمكن الشرطة من أداء مهامها بفاعلية، وإن كانت الفجوة التقنية بين الواقع الميداني والتطور العالمي لا تزال قائمة وتستدعي السعي المستمر لتقليصها عبر تطوير البنية التكنولوجية للشرطة الفلسطينية.

ويقول: "تركز الشرطة اليوم على تطوير قدرات الفنيين والتخصصات الجنائية لمواكبة التعقيدات الحديثة في الجرائم، لا سيما تلك المرتبطة بالتقنيات الرقمية والجرائم الإلكترونية. مشيرًا إلى أن الجهاز يمتلك خبرات واسعة في هذا المجال، نمت وتطورت من خلال تدريبات محلية متقدمة يشرف عليها خبراء ومدربون فلسطينيون متمرسون، بالإضافة إلى برامج تدريبية خارجية تلقتها فرق التحقيق من دول تقدم دورات متخصصة في الأدلة الجنائية والتحقيقات الرقمية".

ويضيف أن هذه الجهود تتكامل مع الخبرات المكتسبة من خلال الشراكات الدولية، بما في ذلك الدعم من الفريق الدولي والشرطة الأوروبية، والتي توفر برامج تدريبية متقدمة وورش عمل متخصصة، ما يعزز مستوى كفاءة الفنيين ويتيح لهم التعامل مع الجرائم المعقدة بكفاءة عالية، مع ضمان مواءمة الأساليب المتبعة في التحقيق مع أفضل المعايير الدولية.

 

الشرطة والقضاء: منظومة عدلية واحدة

تصف الشرطة علاقتها بمؤسسات القضاء والنيابة بأنها علاقة تكاملية تقوم على الاحترام المتبادل والإطار القانوني الواضح. ويشير اللواء علام السقا إلى أن الشرطة تعمل ضمن منظومة عدلية متكاملة، حيث تلعب دور الجهة التنفيذية بينما يبقى القضاء جهة مستقلة تتولى الفصل القانوني، ما يضمن وضوح المسؤوليات وتحديد الأدوار.

ويقر السقا بأن أي فجوات إجرائية هي طبيعية وتوجد في جميع الدول، لكنها ليست كبيرة أو مؤثرة بشكل جوهري على سير العدالة أو سرعة البت في القضايا. ومع ذلك، -يؤكد اللواء- تبذل الشرطة جهودًا مستمرة لتقريب وجهات النظر بين الجهاز والنيابة، وتعزيز التنسيق مع القضاء في مجالات محددة تتطلب توافقًا إجرائيًا. ويشير إلى أن المؤتمر المشترك الذي عقد مؤخرًا تحت عنوان "تعزيز الأمن وسيادة القانون" مثل خطوة مهمة، حيث تم وضع آليات مشتركة وتفاهمات تهدف إلى تعزيز التنسيق بين الشرطة والنيابة، بما يضمن فعالية أكبر في إنفاذ القانون وحماية الحقوق العامة.

 

التعاون الدولي: تطوير بلا شروط سياسية

وتشدد الشرطة على أن أي تعاون دولي أو تدريبات خارجية تهدف إلى تطوير مهارات الجهاز ليست مقيدة بخطوط حمراء، ما دام الهدف تطوير الكفاءة المهنية وتعزيز قدرة الشرطة على إنفاذ القانون.

ويؤكد اللواء علام السقا أن الشرطة، بوصفها هيئة مدنية نظامية، تعتمد على كوادر متنوعة تشمل ضباطًا ومحامين ومتدربين في مختلف الاختصاصات، وتسعى لتعزيز قدراتها عبر شراكات واتفاقيات دولية وتبادل خبرات مع مؤسسات شرطية حول العالم.

ويضيف أن فلسطين تشارك بفاعلية في مؤتمرات وورش عمل دولية تصدر عنها مخرجات واتفاقيات ملزمة، وتلتزم الشرطة بهذه التفاهمات ضمن إطار القانون الفلسطيني، مؤكداً أنه لا يُفرض على الجهاز أي شروط خارج هذا الإطار. ويشير إلى أن أي نشاط تدريبي أو تعاون خارجي يُعتبر تجاوزًا فقط إذا خالف القانون أو القواعد المعمول بها، مؤكداً أن الشرطة الفلسطينية تحافظ على سيادتها القانونية كاملة أثناء أي تعاون دولي.

 

هاجس المستقبل: الاحتلال لا يكسر الإرادة

يشير اللواء علام السقا إلى أن ما يقلقه شخصيًا عند التفكير في مستقبل الأمن الفلسطيني يرتبط بالظروف السياسية المعقدة وإجراءات الاحتلال واعتداءات المستوطنين، إلا أن هذه التحديات لا تثنيه عن أداء واجبه. ويؤكد السقا أن إرادة الشعب الفلسطيني وولاء كوادر الشرطة وحبهم للعطاء الوطني تشكّل دافعًا قويًا للاستمرار في العمل رغم شح الإمكانيات.

ويضيف أن الهدف الأساسي للشرطة هو الحفاظ على النسيج المجتمعي الفلسطيني وضمان الأمن الداخلي، مشيرًا إلى أن مستوى الوعي لدى المواطنين وعقيدتهم الأمنية يسهمان في دعم عمل الشرطة.

ويختم بالقول: إن هذه العوامل مجتمعة تمنح الجهاز القدرة على المضي قدمًا، مؤكداً أن التحديات قد تثير القلق لكنها لا تخيف أو تردع من يسهرون على حماية الوطن، ما يعكس الالتزام العميق بالاستقرار والأمن في فلسطين.

 

قرارات صعبة.. في ظروف أصعب

يعتبر اللواء السقا أن أصعب قرار اتخذه منذ توليه منصبه كان وضع سياسة واستراتيجية شاملة للشرطة في ظل الظروف الصعبة والإمكانيات المحدودة المتاحة. ويشير إلى أن هذا القرار شكّل تحديًا كبيرًا، ليس فقط لتحديد الأولويات، بل أيضًا لكيفية استغلال الموارد البشرية المتوفرة، وتفعيل الإدارات القائمة، واستثمار الدعم اللوجستي المتاح بأقصى فاعلية.

ويضيف: إن عملية اتخاذ القرار تضمنت إعادة هيكلة بعض إدارات الشرطة، وتفعيل أخرى، وإنشاء إدارات وأقسام جديدة لتلبية الاحتياجات الأمنية المستجدة، مؤكدًا أن مثل هذه الخطوات ليست سهلة في ظل التحديات الاقتصادية والسياسية، لكنها ضرورية لضمان استمرار قدرة الشرطة على خدمة المواطنين والحفاظ على الأمن والاستقرار.

 

رجل الأمن والحياة الخاصة: الفصل مستحيل

ويعترف مدير عام الشرطة أن حياة رجل الأمن تختلف عن حياة المواطن المدني، حتى عند تواجده في منزله أو مع أسرته، إذ لا يمكنه الانفصال عن الواقع الأمني المتغير والمتجدد باستمرار. ويضيف السقا أن تجربته الشخصية واستلهامه لتوجيهات الرئيس محمود عباس علمته كيفية الموازنة بين متابعة مهام العمل والأجواء الأسرية، مع الحفاظ على الانضباط والالتزام تجاه الوطن.

ويؤكد السقا أن الظروف الأمنية الطارئة لا تتقيد بوقت محدد، ما يستدعي متابعة مستمرة، وبالتالي لا يمكن لرجل الأمن أن يعيش حياة منفصلة تمامًا عن مسؤولياته. لكنه يشدد على أن التوازن بين الواجب الأمني والحياة اليومية ممكن، شرط التحلي بالوعي والانضباط، لضمان استمرار الأداء الفعّال دون التفريط بالالتزامات العائلية والاجتماعية.

 

بين النص القانوني والتطبيق: الشرطة تلتزم بالقانون

يؤكد مدير عام الشرطة أن دور الشرطة كجهة تنفيذية يقتصر على العمل ضمن الإطار القانوني دون تجاوزه. مع سعي الجهاز دائمًا لتقريب وجهات النظر بين الشرطة وأنظمة العدالة الأخرى، سواء القضاء أو النيابة، لضمان انسجام التطبيق العملي مع النصوص القانونية. ويشير اللواء السقا إلى أن أي تعديل في النص القانوني يتطلب استصدار فتوى تشريعية رسمية، ما يضمن احترام القانون وتحقيق التوازن بين النص القانوني والتطبيق الميداني.

 

الاستجابة السريعة: مشروع 911 نقلة نوعية

تقر الشرطة الفلسطينية بوجود بعض الانتقادات المتعلقة بتباطؤ الاستجابة في الحوادث الحرجة، لكنها تؤكد أنها اتخذت خطوات جادة لتعزيز سرعة الاستجابة لمواطنيها. فقد تم تأسيس قسم "الإسناد والنجدة" الذي يُعد المستجيب الأول، ويعمل على تقليص زمن الاستجابة قدر الإمكان، مع السعي المستمر للوصول إلى أعلى مستويات الكفاءة في هذا المجال.

ويشير اللواء علام السقا إلى أن هناك بعض المناطق يصعب الوصول إليها بسبب سيطرة الاحتلال، ما يعوق تلبية الاستجابة الفورية، إلا أن الشرطة تعمل على مشروع وطني متكامل تحت عنوان (911) يضم جميع الأجهزة الأمنية والهلال الأحمر، ويهدف لتلبية احتياجات المواطنين في كافة مناطق الضفة، سواء كانت مناطق (أ)، (ب) أو (ج). ويؤكد أن المشروع، عند تنفيذه، سيحدث نقلة نوعية في أداء الأمن داخل الشارع الفلسطيني، بدءًا من استقبال الاتصال، مرورًا بالاستجابة، وصولاً إلى مراقبة الإجراءات والأداء.

كما يشير السقا إلى التطورات الكبيرة في أداء الشرطة داخل المدن الفلسطينية، موضحًا أن المواطنين يمكنهم الآن تلقي الخدمة بسرعة عبر الرقم 100، إلى جانب الخط الموحد 106 الذي يختص بحماية الأسرة وحل المشكلات الأسرية، ليكون جزءًا فعالًا من منظومة المستجيب الأول.

 

إصلاحات داخلية.. بموارد محدودة

تشير الشرطة إلى أن آليات التوظيف والترقية داخل الجهاز تخضع لقوانين وأنظمة واضحة، ويتم تنفيذها ضمن إطار نظام متبع يحكمها بدقة. ويضيف اللواء علام السقا أن أي استقدام لأعضاء جدد أو تفريغ مواقع يتأثر بالظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها الوطن، ما يجعل التخطيط والتنفيذ مرتبطًا بالإمكانات المتاحة.

ويؤكد أن نجاح أي إصلاح أو تغيير في الجهاز لا يعتمد على الفرد وحده، بل على ولاء وانتماء الضباط وحبهم للعمل والعطاء، مضيفًا أن دعم مرتبات الشرطة كان عاملًا مهمًا في تمكين الجهاز من تطبيق القرارات الإصلاحية وتحقيق النتائج المرجوة، رغم التحديات الاقتصادية القائمة.

التوظيف والترقية محكومان بالقانون والظرف الاقتصادي، لكن السقا يشدد على أن انتماء منتسبي الشرطة كان العامل الحاسم في إنجاح الإصلاحات.

 

المناطق المصنفة (ج): المجتمع شريك الأمن

في المناطق المصنفة (ج)، حيث يصعب وصول الشرطة غالبًا بسبب القيود الاحتلالية، اعتمدت الشرطة الفلسطينية على إدارة الشرطة المجتمعية كنموذج وطني يضع المواطن شريكًا أساسيًا في إنفاذ القانون. ومن خلال هذا التواصل المباشر مع المجتمع المحلي، تعمل الشرطة على معالجة العديد من القضايا قبل تفاقمها، بالتنسيق مع المجالس البلدية والمحلية والقروية والتنظيمات الداخلية.

ويؤكد اللواء علام السقا أن هذا الأسلوب يتيح دعمًا وإسنادًا في المناطق التي يغيب فيها وجود شرطي، ما يساهم في منع تفاقم المشاكل وتحويلها إلى جرائم خطيرة، ويشير إلى نجاح الشرطة في حل العديد من القضايا في هذه المناطق قبل أن تصل إلى مرحلة القتل أو العنف المسلح.

 

رسالة أخيرة للمجتمع الفلسطيني

يختم اللواء علام السقا حواره مع "الحياة الجديدة" بنقل رسالة الشرطة إلى المجتمع تتمحور حول الشراكة الوطنية والحفاظ على الوطن. فالمواطن هو شريك أساسي في إنفاذ القانون، والوطن ملك للجميع، وليس حكرًا على جهاز الشرطة وحده. ويشدد على ضرورة أن يسهم الجميع في استقرار البلاد وحمايتها من أي تهديد قد يجرها نحو الفوضى، مؤكداً أن فلسطين وطن واحد ودولة واحدة، والمطلوب من كل فرد المحافظة على مقدراتها وضمان، داعيًا المواطنين إلى حماية الاستقرار، وعدم السماح بانزلاق المجتمع نحو الفوضى، لأن الأمن مسؤولية مشتركة.