عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 18 كانون الأول 2025

نابلس التي لا تموت.. هنا ما يستحق الحياة

نابلس – الحياة الجديدة – بشار دراغمة- في نابلس، المدينة التي تختبر كل صباح بميزان الحصار، لا يقاس الوقت بالساعات إنما بعدد حواجز الاحتلال التي تعترض طريق القلب قبل القدم، مدينة تغلق عليها المنافذ، فتفتح في المقابل نوافذ الروح، وتضيق عليها الجغرافيا، فتتسع فيها حكاية الإصرار على البقاء.

 في حي الشيخ مسلم داخل البلدة القديمة، حيث الحجر يحفظ أسماء العابرين، الأزقة تعرف وقع الخطوات قبل أن ترى، كانت النسوة يفردن قلوبهن على البسطات، أياد متعبة من الانتظار، لكنها ماهرة في صناعة الجمال، تطريز يشبه الذاكرة، وصابون تفوح منه رائحة البيوت الأولى، ومطرزات كأنها خرائط صغيرة لفلسطين حين كانت تحاك بالصبر لا بالحدود.

كانت تجلس أمام الصاج كما لو أنها تحرس ذاكرة المكان، تقلب العجين بيدين تعرفان الطريق جيدا، وتترك لرائحة الخبز أن تسبقها في الأزقة وتعلن حضور البلدة القديمة قبل أن يظهر وجهها.

لم تكن تلك  تخبز لبيع خبزها فقط، بل لتبقي الحجر دافئا، والبيوت مستيقظة، والقلوب معلقة بالمكان، همها الوحيد أن تظل البلدة القديمة حاضرة في القلب قبل العنوان، وفي الناس قبل الجدران، وأن يبقى الخبز شاهدا على أن الحياة هنا ما زالت تعرف طريقها.

آمنة نصري، متسوقة جاءت من حيفا كانت تتجول بين البسطات وتستعرض إبداعات النسوة، لم يكن المعرض بالنسبة لها مجرد عرض لمنتجات يدوية، بل استعادة لحق المدينة في أن ترى، في أن تزار، في أن تحب.

تقول آمنة: المعرض حمل عنوانا بسيطا كنداء شعبي صادق: "يلا على البلد". وكأن نابلس، بكل ما فيها من عناد جميل، تمسك بالمارين من أكمامهم وتقول: تعالوا، هنا ما يستحق الحياة.

المتسوقون، القادمون من القريب والبعيد، كانوا يتنقلون بين بسطة وأخرى كما لو أنهم يتجولون في ألبوم تراثي قديم، يتفحصون التفاصيل، يسألون عن الحكاية قبل السعر، وعن اليد التي صنعت قبل المادة التي صنعت، في تلك اللحظات، بدا الحصار الاحتلالي على نابلس خارج المشهد، كأنه عيب طارئ في صورة لا تشبه المدينة.

خلف هذا المشهد، تعمل مبادرة "يلا على نابلس" بشغف لتراكم الأمل كما تراكم المدن حجارتها، حجرا فوق حجر، دون خطابات عالية، هدفها بسيط وعميق، أن تبقى نابلس حية بالناس، لا بالشعارات.

يقول فايز عرفات، أحد القائمين على المبادرة، إن نابلس بحاجة دائمة إلى من يذكر العالم بأنها مدينة أمن وأمان، مدينة قهوة تشرب على مهل، وأسواق تزار بثقة، يتحدث عن استقبال اثنتين وعشرين حافلة في يوم سبت واحد، وكأنه يتحدث عن قافلة حب قررت أن تكسر الخوف وتدخل.

ويشير إلى تعاون جهاز الشرطة، لا بوصفه إجراء أمنيا، بل كشراكة في حماية الحياة اليومية من التآكل.

والحياة اليومية في نابلس ليست تفصيلا عابرا.. إنها معركة ناعمة ضد الموت البطيء. فحين تحجز الفنادق بالكامل أيام الخميس والجمعة والسبت، لا يكون ذلك رقما في تقرير اقتصادي، بل دليلا على أن المدينة ما زالت قادرة على إقناع الزائر بالبقاء ليلة إضافية، وربما ذكرى إضافية.

أهالي نابلس يعرفون هذا جيدا.. يعرفون أن مدينتهم ليست مجرد عنوان في نشرات الأخبار، بل منارة سياحية واقتصادية وثقافية، يصرون، بعناد الجبال المحيطة، على أن تبقى الأسواق مفتوحة، والبيوت عامرة، والذاكرة يقظة، يصرون على أن يقاوموا الحصار لا بالحجارة وحدها، بل بفنجان قهوة، وبقطعة كعك، وبمعرض صغير في زقاق كبير المعنى.

في نابلس، قد يغلق الاحتلال الطرق، لكنه لا يعرف كيف يغلق الشغف، قد يحاصر المدينة، لكنه لا يستطيع محاصرة فكرة قررت أن تمشي. وهكذا، تمشي نابلس، على مهل، بثقة، وبقلب مفتوح لكل من يلبي النداء "يلا على نابلس، ويلا على البلد".