حين ينسف الاحتلال الجدران وتبقى الذاكرة واقفة

نابلس– الحياة الجديدة – بشار دراغمة- لم يجد والد الأسير عبدالكريم صنوبر ما يليق بفاجعته من كلمات وهو يتفقد بقايا الأحلام.
وقف أمام بيته المنسوف كما يقف أب على قبر مفتوح، يحدق في الركام الذي كان يوما سقفا يحمي أسرته وأحلامه، بينما تتلعثم اللغة في حلقه، فيكتفي بكلمة خجولة كالصبر: "الحمد لله". ثم يتقدم ببطء، كمن يمشي فوق عمره المهشم، ليلقي على منزله نظرة الوداع الأخيرة.
يعرف والد عبدالكريم أن البيت لم يعد موجودا، لكنه يدرك أيضا أن ما سكن الجدران يوما لن تزيله المتفجرات، صوت أفراد عائلته في الممرات، ضحكات العائلة وحزنها وكل ذكرياتها التي كانت تفرش المساء والنهار.
في بلدة زواتا الملتصقة بنابلس، البلدة الهادئة كبراعة في إخفاء جراحها، استيقظ المواطنون أمس على دوي انفجار شق الصباح نصفين، بيت آخر يمحى من الوجود، لكنه يبقى حيا في ذاكرة أصحابه كما لو أن الجدران توأم الروح لا تفارق أصحابها.
مع أول خيط للفجر، اقتحمت قوات الاحتلال المنطقة، ثقيلة كظل الحرب، تجر خلفها آلات الهدم ونوايا التفجير، أغلقت الطرق أمام المواطنين، كما لو أنها تغلق أبواب الحياة نفسها، وبدأت تهيئ المسرح لنسف منزل الأسير عبدالكريم صنوبر.
ولم تكتف عشرات الآليات الاحتلالية بالاندفاع نحو بيت واحد، فقد أمر جنود الاحتلال ثلاث عشرة بناية كاملة بإخلائها وفق شهود عيان، عائلات كانت نائمة في حضن دفئها، دفعتها مكبرات الصوت وطرقات الأبواب العنيفة الى الخروج سريعا، كما ينتزع المرء من حلمه الأخير قبل الصباح. خرج المواطنون إلى العراء، يلفهم برد ديسمبر، بينما ينهش القلق وجوه الأطفال والنساء.
تتدخل طواقم الهلال الأحمر لإخلاء العائلات، تلك امرأة حامل تجر ألمها تحاول إخلاء المكان، تساندها الطواقم الحاضرة في المكان للخروج بأمان في زمن أتقن فيه الاحتلال نشر الموت.
كان المكان كله واقفا، ليس من البرد وحده، بل من قسوة المشهد، والوجود في العراء لساعات طويلة.
دفعت قوات الاحتلال بتعزيزات عسكرية إلى زواتا، الجنود ينتشرون في الأزقة يحاصرون المدى، ويختبرون صبر البيوت، ومع ساعات الصباح جاء الأمر: "المنزل جاهز للتفجير".
ارتفعت سحابة الغبار الضخمة، وتطايرت الأحجار كأجنحة مكسورة، وفي اللحظة التي ارتجت فيها الأرض، كان والد عبدالكريم يسند نفسه على صمته، رأى العمر يقع مرة واحدة، كصفحة تمزقها اعتداءات لا تتقن سوى لغة القوة.
يشوه الاحتلال تفاصيل الحياة في نابلس بفعل اعتداءاته المتكررة، الأطفال حرموا من الذهاب إلى مدارسهم في محيط المنطقة المستهدفة، وأعلنت نقابة المدارس الخاصة ورياض الأطفال تعطيل الدوام في المدارس القريبة من مكان الاقتحام، أطفال لم يعرفوا بعد تفاصيل كل ما يدور حولهم، لكنهم باتوا يدرسون في جغرافيا تحكمها ثقافة الاعتداءات المتكررة من المحتل.
مواضيع ذات صلة
استشهاد مواطن في استهداف الاحتلال حي التفاح شرق مدينة غزة
برهم يبحث مع صندوق النفقة تعزيز التعاون لخدمة التعليم
الشيخ يلتقي السفير المصري
الاحتلال يقتحم قرى كفر مالك وأبو فلاح والمغير شمال شرق رام الله
اسبانيا تلاحق شركات إسرائيلية بتهمة الإعلان عن سياحة استعمارية
وزير الداخلية يتفقد محافظة سلفيت
وقف مؤقت لضخ المياه من آبار "عين سامية" نتيجة اعتداء المستعمرين