من الشاشة إلى الشارع .. كيف أعادت الشبكات الاجتماعية للضمير العالمي نبضه؟
مريم شومان

في الـ 29 من نوفمبر من كل عام، يحيي العالم اليوم الدولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، وهو يوم تتجدد فيه الدعوة إلى العدالة، وتُستحضر فيه معاناة شعب يعيش تحت الاحتلال منذ أكثر من سبعة عقود. لكن التضامن في هذا العصر لم يعد محصورًا في القاعات الأممية أو في خطابات الزعماء، بل بات يعيش على الشاشات الصغيرة في هواتف الناس، ويتحول من منشور رقمي إلى حركة عالمية تنبض بالوعي والفعل.
منذ السابع من أكتوبر 2023، ومع اشتداد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وتصاعد وتيرة انتهاكاته في الضفة الغربية، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة مقاومة، بينما كانت طائرات الاحتلال تمطر غزة بالقنابل الثقيلة، وقواته تمعن في عمليات القتل اليومية بحق المواطنين في الضفة الغربية وتنصب البوابات والحواجز وتبني الوحدات الاستيطانية، عمل الفلسطينيون على توثيق جرائم الاحتلال لحظة بلحظة، بكاميرات هواتفهم المحمولة، والاتصال الهش بالانترنت، تلك المشاهد لم تبقَ حبيسة الجغرافيا، بل انتشرت كالنار في الهشيم عبر العالم، لتكسر جدار الرواية الصهيونية الذي طالما احتكر المشهد الإعلامي في الغرب.
لقد أصبح المواطن الفلسطيني هو الصحفي والمراسل والناشط في آنٍ واحد، وصار الهاتف أداة لمواجهة آلة إعلامية ضخمة حاولت لعقود أن تخفي الحقيقة خلف عناوين مضللة.
هذا الانقلاب الإعلامي لم يكن عفويًا، بل نتيجة وعي رقمي عالمي يتشكل منذ سنوات، فجيل اليوم لم يعد يتلقى المعلومة من قنوات التلفزيون وحدها، بل يصنع محتواه ويختار روايته ويشارك في صناعة الرأي العام. لهذا؛ حين شاهد الملايين مشاهد الأطفال المنتشلين من تحت الركام، والأمهات اللواتي يصرخن ألما على فقدهنّ عوائلهنّ، وحجم الدمار نتيجة آلة لحرب الإسرائيلية لم تكن ردود الفعل سطحية أو مؤقتة، لقد أصبح التضامن فعلًا إنسانيًا متصلا، يعبّر عن ضمير عالمي جديد تشكّل عبر الشبكات الرقمية.
إنّ حملات المقاطعة التي اجتاحت العالم لم تكن وليدة مؤسسات سياسية، بل انطلقت من تغريدات، ومقاطع فيديو قصيرة، ومنصات يقودها ناشطون ومؤثرون آمنوا بعدالة القضية، في أميركا وأوربا شهدت الجامعات مظاهرات طلابية ضخمة مستلهمة مما تراه على المنصات، بينما بدأت شركات كبرى تشعر بتأثير المقاطعة الرقمية على صورتها ومبيعاتها.
لقد أثبتت التجربة أن التضامن الإنساني في العصر الرقمي قادر على ممارسة ضغط فعلي على الحكومات والشركات، وأن "اللايك، والتعليق والمشاركة" حين يتكاثر وينتظم يمكن أن يتحول إلى موقف سياسي مؤثر.
في المقابل، لم يتوقف الاحتلال عند حدود الميدان، بل خاض حربًا رقمية شرسة، ساعيًا إلى إسكات الصوت الفلسطيني عبر حذف الحسابات أو تقليل صولها، ومحاولة تلميع صورته من خلال حملات دعائية ضخمة. لكن هذه الجهود فشلت أمام قوة الحقيقة المتدفقة من غزة، فكل محاولة لقمع الصوت الفلسطيني كانت تولّد عشرات الأصوات الجديدة، وكل فيديو محظور يجد طريقه إلى النشر من جديد عبر مئات المستخدمين حول العالم، هكذا أثبتت السوشال ميديا أنها ليست مجرد منصات للترفيه، بل مساحة وعي ومقاومة تُفشل الرقابة وتعيد تعريف مفهوم القوة الناعمة.
المؤثرون والناشطون؛ من خلال حضورهم الصادق، استطاعوا أن يقرّبوا المأساة إلى وجدان الناس، بعضهم تحدّى الرقابة الغربية الجائرة، وآخرون خاطروا بمسيرتهم المهنية دفاعًا عن الحقيقة، هؤلاء ساهموا في بناء سردية إنسانية موازية تذكّر العالم بأنّ الضحية ليست رقمًا في تقرير بل إنسان له اسم ووجه وذاكرة.
إنّ ما نشهده اليوم ليس مجرد تضامن عابر، بل ميلاد لضمير عالمي جديد أعادت المنصات الاجتماعية تشكيله، في يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني، يبدو أن العالم لم يعد يكتفي بالمشاهدة أو الندم، بل بدأ يتحرك – ولو من خلف الشاشة – ليدافع عن قيم الحرية والعدالة وحق الإنسان الفلسطيني في الحياة.
فمن الشاشة إلى الشارع، ومن المنشور إلى الفعل، تكتب الإنسانية عبر بوابة فلسطين روايتها الجديدة؛ رواية لا يعيد صياغتها الإعلام الموجّه، بل تصنعها الشعوب التي قررت ألا تصمت بعد الآن.
مواضيع ذات صلة
مكيالان في الفضاء الرقمي: ضجيج الضفة وصمت غزة
حربان في زمن واحد: المعركة على الأرض والمعركة على الوعي ...
متى نرى الجميع سعداء؟!
التعليم لأجل التعافي… حين يصبح التعلم فعلَ صمودٍ في زمن الحرب
معا نحمي الحياة… الوعي مسؤولية وطن في زمن الظروف الاستثنائية
حين تبتلع الصورة المعنى: أزمة الذائقة في الإعلام الجديد
الوطن أم القلاع المبنية من حجارة هشة ؟!