من مقاعد الصف الثامن إلى المدرجات الجامعية
حين يصبح الحلم أسرع من العمر.. أحمد الفلسطيني يدخل كلية الطب طفلا

رام الله- الحياة الجديدة- عبير البرغوثي- في سن لا يزال كثير من الأطفال فيها يرتبون أحلامهم الأولى، كان أحمد يوسف هلال ناصر يطرق باب واحد من أكثر التخصصات صعوبة في العالم. فابن الخامسة عشرة، القادم من بلدة صفا الواقعة غرب محافظة رام الله والبيرة أصبح أصغر طالب جامعي في البرازيل بعد نجاحه في امتحان القبول بكلية الطب، الإنجاز الذي فاجأ أساتذته وعائلته ومحيطه، لكنه بدا طبيعيا لمن يعرف عزيمته.
هذا النجاح لم يأت من فراغ. فقبل أن يصل أحمد إلى قاعة امتحان كلية الطب، كانت الطريق تأخذه إلى أماكن أبعد بكثير من مقاعد الدراسة.
ولد في مستشفى المقاصد في القدس عام 2010، الابن الوحيد بين خمس شقيقات، ووسط عائلة ممتدة تضم نحو مئة فرد، أحبوه واحتفوا بتفوقه منذ خطواته الأولى. وفي "مدارس المستقبل" في الطيرة – رام الله، قطع أحمد مراحل دراسته من الروضة حتى عام 2022، إلى أن غادرت العائلة إلى البرازيل بحثا عن حياة جديدة.
هناك، وجد نفسه تلميذا في الصف الثامن لكنه لا يملك كلمة واحدة من اللغة البرتغالية. لم يكن قادرا على التواصل مع زملائه، لكن ما امتلكه كان أهم: إرادة طفل قرر ألا يسمح للغربة أن تهزمه.
كانت معلمة برازيلية تزور المنزل يوميا بعد انتهاء الدوام، تعلمه اللغة من الصفر، وتعيد تكرار الجمل معه ساعات طويلة. وخلال عام واحد فقط، تمكن أحمد من إتقان البرتغالية بطلاقة لفتت نظر أساتذته ومحبتهم لذكائه وأخلاقه وتواضعه.
وفي شهر تشرين الأول، الشهر الذي تجري فيه الجامعات امتحان القبول للطب في البرازيل، تقدم أحمد للامتحان رغم أن النظام يتيح ذلك فقط لطلاب الصف قبل الأخير. لم تمنعه سنه الصغيرة، ولم يتردد. نجح، وفتح بابا يحتاج الكثيرون لسنوات أطول للوصول إليه.
كان الدعم العائلي ركيزة أساسية. ففي عائلة "دار هلال" وحدها، يوجد 35 طبيبا يمارسون المهنة في البرازيل، وجميعهم تقريبا خريجو مدارس فلسطين. ولذلك، حين قرر أحمد دراسة الطب، رحب الجميع بقراره. بل إن والده يقول ضاحكا: "أحمد دائما سعيد ويحب المدرسة كثيرا، لكنه أحس بغصة لن يكمل الصف الأخير مع أصحابه".
يكشف أحمد في حديثه لـ" الحياة الجديدة" عن اللحظة التي اكتمل فيها قراره: "عندما حضر ابن عمي إلى البرازيل قبل ثلاث سنوات ودرس سنة لغة ثم دخل كلية الطب، شعرت أن هذا الطريق هو طريقي أيضا. معظم أولاد عمي درسوا الطب، لدي 35 منهم أنهوا دراسة الطب وعشرة ما زالوا على مقاعد الجامعة".
أحمد يعرف أيضا ما بعد الحلم القريب: ست سنوات لدراسة الطب العام، ثم خمس سنوات أخرى ليحقق حلمه الأكبر: جراحة الدماغ والأعصاب.
ورغم بعده عن فلسطين، لم تبتعد فلسطين عنه، يقول بصوت يسبق عمره: "الحبيبة فلسطين أهم شيء في حياتي. كل عام نسافر في الإجازة حتى لا ننسى لغتنا العربية ولا عاداتنا وتقاليدنا. هذا ما يريده أبي وأمي".
وفي اللحظة ذاتها التي يحتفل فيها بإنجازه، يرسل رسالة تتجاوز حدود بلدين: "رسالتي للشباب في فلسطين أن يهتموا بدراستهم، فهي نضال يدعم قضيتنا. وأهدي نجاحي لأطفال غزة الذين حرموا من الدراسة للعام الثاني".
ورغم كل ما يحمله من طموح، يبقى لأحمد مساحة لطفل يحب اللعب. ففي أوقات فراغه، يركض وراء كرة القدم مع أبناء العائلة، يستعيد خفة سنه، كأنه يقول: أنا طفل، لكن أحلامي أكبر بكثير مما تتوقعون.
هكذا يمضي أحمد، الطفل الذي يحمل حقيبة أكبر من عمره وأحلاما أوسع من حدود المكان. يمشي بخفة الصغار وإصرار الكبار، يخط طريقه نحو الطب وهو لا يزال يركض خلف الكرة بين أبناء عائلته. في غربته البعيدة، يظل قلبه معلقا بفلسطين، تماما كما يظل اسمه محفورا في ذاكرة كل من يرى فيه برهانا حيا على أن التفوق لا يحتاج عمرا طويلا، بل يحتاج قصة مثل قصته، تبدأ بخطوة صغيرة، وتنتهي بإنجاز كبير.
ربما ليس في إنجاز أحمد ما يدهش بقدر الطريقة التي صنع بها طريقه؛ طفل حمل لغتين وحلمين وبلدا كاملا على كتفيه، وواصل السير بثقة لا تشبه عمره. وبين مدرجات كلية الطب في البرازيل وذكريات صفا في رام الله، ينسج أحمد مستقبله بهدوء وثبات. فقصته ليست مجرد نجاح فردي، بل نافذة أمل تقول: إن الطريق من فلسطين إلى العالم يبدأ أحيانا بخطوة وخمس عشرة سنة فقط.
مواضيع ذات صلة
اتحاد الووشو كونغ فو يختتم بطولته التصنيفية في البيرة بمشاركة أكثر من 200 لاعب ولاعبة
الاقتصاد والضابطة الجمركية تضبط سلعة غذائية مخالفة داخل مستودع في رام الله
مستعمرون يعتدون على ممتلكات المواطنين في دوما جنوب نابلس
لجنة الانتخابات المركزية تبحث مع الأحزاب والفصائل الاستعدادات للانتخابات المحلية
الاحتلال يعتقل شابا بعد الاعتداء عليه شمال القدس
إصابة برصاص الاحتلال شرقي مدينة غزة وسط عمليات تجريف ونبش قبور وقصف مكثف
المكتب الحركي للصحفيين: ظهور إعلامية إسرائيلية تحمل السلاح يؤكد شراكة إعلام الاحتلال مع آلة القتل ضد شعبنا