قلنديا على حافة التهجير.. مخطط مصادرة ومكب نفايات يبتلعان القرية
14%20(3).jpeg)
رام الله- الحياة الجديدة- حنين خالد- في قلب المنطقة المعزولة بين الجدار والمستوطنات، تتكشّف في قلنديا فصول مخطط جديد يتقدّم بهدوء وخطورة معًا. البلدة التي أنهكتها المصادرات منذ عقود تواجه اليوم واحدة من أكثر الهجمات تركيبًا: أوامر إخلاء، تحويل مئات الدونمات إلى «ملكية دولة»، ومشروع مكبّ نفايات ضخم يهدد بتحويلها إلى منطقة غير صالحة للحياة. ما يجري في قلنديا لا يشبه مجرد توسّع استيطاني؛ إنه إعادة صياغة قسرية للجغرافيا والسكان، تُدفع عبرها البلدة نحو حافة التهجير الصامت، في جريمة تتكشّف فصولها يوماً بعد يوم.
مصادرة 150 دونمًا
ويكشف م. وليد الكيشي، رئيس المجلس القروي، لـ "الحياة الجديدة"، أن حكومة الاحتلال قررت مؤخرا مصادرة 150 دونمًا من أراضي قلنديا، بالتوازي مع مخطط خطير لنقل جدار الفصل العنصري لابتلاع هذه الأراضي وتحويلها إلى ما يسمى "ملكية دولة"، رغم أن أصحابها يمتلكون سندات طابو قانونية منذ عهد الانتداب البريطاني.
ويضيف: "هذا المخطط يعد الأخطر الذي يتهدد البلدة منذ سنوات، بعد وصول إخطارات رسمية لأهالي قلنديا تطالبهم بـإخلاء وهدم مبنيين يضمان ست شقق سكنية، يعيش فيها نحو أربعين مواطنًا، إضافة إلى أوامر بإخلاء مساحات واسعة من الأراضي الزراعية.
وبجرة قلم، ومن دون أي اعتبار لحقوق السكان، وبقرار إداري حُوِّلت هذه الأراضي إلى ما يسمّى "ملكية دولة" بذريعة "المنفعة العامة"، بينما تفضح المخططات المعلنة وجود نية لإقامة منشأة ضخمة لتدوير النفايات فوق هذه الأراضي.
ويقول: "إن تنفيذ هذا المخطط يعني تهجير مئات العائلات وتحويل قلنديا إلى منطقة غير صالحة للعيش، عبر نشر الروائح والتلوث وخنق التجمعات السكانية، في خطوة تُعد جريمة بيئية وإنسانية بكل المقاييس".
ويؤكد رئيس المجلس أن المجلس القروي يتابع القضية مع فريق قانوني متخصّص، وبالتنسيق المباشر مع محافظة القدس ووزارة شؤون القدس، في محاولة لوقف هذه الكارثة المحدقة والدفاع عن حق أهالي البلدة في أرضهم ووجودهم.
"الجدار والاستيطان".. تهجير ممنهج
تقف بلدة قلنديا البلد على حافة مرحلة جديدة من الاستهداف، بعدما أنهكتها عقود طويلة من المصادرة والتهجير المنظم. فمنذ نكبة عام 48، حين استقبلت آلاف المُهجّرين الفلسطينيين وشُيّد فوق أراضيها مخيم قلنديا للاجئين، والبلدة تتعرض لعملية تفريغ بطيئة من سكانها الأصليين.
ومع احتلال عام 1967، تسارعت عملية السيطرة على أراضي البلدة، فإقامة مستوطنة عطروت الصناعية وتحويل حاجز قلنديا إلى بوابة فصل وقمع شكّلا بداية مرحلة جديدة من العزل. ثم جاء جدار الفصل عام 2002 ليخنق البلدة بشكل شبه كامل، مصادرًا آلاف الدونمات، في محاولة ممنهجة للسيطرة على مطار قلنديا الفلسطيني ودفعه نحو مشروع استيطاني ضخم.
وفي عام 2014، تلقت البلدة ضربة موجعة بهدم سبع فيلات فلسطينية كاملة وتدمير مصنع للأدوية ومواد التنظيف، في واحدة من أوسع حملات الهدم في المنطقة.
ويقول مدير مديرية الوسط في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان صلاح الخواجا: يظهر المشروع الأكثر خطورة: مكب نفايات عملاق يخدم المستوطنات ويُقام فوق أراضٍ زراعية وسكنية مأهولة، ليفتح مرحلة جديدة من الاستهداف المناطقي والسكاني.
ويحذّر من أن هذا المكب ليس مجرد "منشأة بيئية"، بل أداة تهجير قسري، فالمشروع، الذي سيخدم المنطقة الصناعية في عطروت والمستوطنات المحيطة، يتجاوز كونه منشأة للتخلص من النفايات، ليشكّل أداة ضغط صحية وبيئية عبر نشر الروائح السامة، تلويث الهواء والمياه الجوفية، وتدمير المحاصيل الزراعية، بما يخلق بيئة خانقة تدفع السكان للرحيل.
ويؤكد الخواجا أن تجربة الفلسطينيين مع نقل المنشآت الملوِّثة إلى المناطق المصنّفة فلسطينية، فالوضع في قلنديا يشبه ما يجري في قلقيلية وطولكرم عبر مصانع "جيشوري" وغيرها، تكشف بوضوح أن الهدف ليس معالجة النفايات بل نقل الخطر إلى قلب التجمعات السكانية الفلسطينية.
ويضيف أن مكب قلنديا سيُقام فوق أراضٍ زراعية وسكنية مأهولة، ما يجعله مصدرًا مؤكدًا لتلوّث الهواء والمياه الجوفية، وتدمير المحاصيل، وارتفاع معدلات الأمراض الخطيرة، في ظل غياب أي معايير سلامة أو رقابة حقيقية.
المخطط الجديد يمتد خارج الجدار وصولًا إلى حدود بلدية القدس، لإقامة مكب ومحرقة نفايات فوق أراضٍ زراعية وسكنية، ويقول الخواجا: مايجري في قلنديا لا يمكن اختزاله في مصادرة أرض أو توسع استيطاني عابر، وأن الضرر البيئي المتوقع من المكب لا يمكن فصله عن البعد السياسي للمخطط. التلوث الناتج عنه سيحوّل المنطقة إلى بؤرة غير صالحة للعيش، ويزيد من الأمراض الخطيرة، ويقضي على المساحات الزراعية، وهو ما يصب مباشرة في هدف الاحتلال الاستراتيجي: إعادة رسم الخريطة السكانية عبر دفع الفلسطينيين للهجرة القسرية تحت ضغط الخطر الصحي والبيئي.
ويضيف؛ على أرض الواقع تلقى عدد من أصحاب الأبنية في قلنديا اخطارات بهدم وحدات سكنية تتراوح بين 6-14 وحدة لكل بناء، ما يضع مستقبل مئات العائلات في مهب التهجير القسري.
الرفاعي: المشروع “استعماري متنكّر” وخطر بيئي مقنّع
ويرى معروف الرفاعي، مستشار محافظة القدس لشؤون الإعلام، أن عمليات الإخلاء والمصادرة في قلنديا تمثل انتهاكًا فاضحًا للقانون الدولي، وأنّ المشروع المطروح في قلنديا ليس بالمطلق مشروعاً بيئياً، بل هو بحسب وصفه؛ غطاء لمخطط استعماري أوسع يستهدف تغيير الواقع الديمغرافي والجغرافي في شمال القدس المحتلة.
ويوضح أن اقامة منشأة لمعالجة النفايات في هذه المنطقة ستجعل من أراضي قلنديا حاضنة لنفايات صناعية وطبية خطيرة تشمل الزيوت الثقيلة، المواد السامة، البطاريات، والنفايات الالكترونية. ما يعني تلوث الهواء والمياه والتربة، وارتفاع معدلات الأمراض الخطيرة، وتدمير البيئة والحياة الزراعية. واعتبر أن هذا الضغط البيئي ليس عرضيًا بل أداة تهجير بطيء لدفع السكان إلى الرحيل
ويحذّر الرفاعي من أن تدفّق هذه النفايات سيخلّف آثارًا كارثية، أبرزها: تسميم التربة وتلويث المياه الجوفية التي يعتمد عليها السكان، وانتشار الروائح السامة التي تُسبب أمراض الجهاز التنفسي والسرطانات؛ وإبادة تدريجية للغطاء النباتي وإفساد البيئة الزراعية التي تُعد مصدر رزق رئيسيالكثير من العائلات اضافة لتهديد الحياة البرية وانحسار التنوع الحيوي في المنطقة.
ويؤكد أنه لا يمكن فصل مشروع مكب النفايات عن مخطط “القدس الكبرى” الهادف لتوسيع السيطرة الإسرائيلية على محيط المدينة وربط المستوطنات بشبكة بنية تحتية تعزل الأحياء الفلسطينية بعضها عن بعض. ويهدف هذا المخطط إلى ترسيخ واقع ديمغرافي وجغرافي جديد يخدم التوسع الاستيطاني ويُضعف الوجود الفلسطيني.
ويدعو الرفاعي المجتمع الدولي إلى تدخل فوري وجاد لوقف سياسات المصادرة والتهجير، وحماية السكان الفلسطينيين من الأخطار الصحية والبيئية التي يحملها المشروع، مؤكدًا أن ما يجري في قلنديا يمثل تصعيدًا خطيرًا في سياسة الاستيطان والتهجير المنظمة.
معركة الأرض.. شهادة من صاحب حق
ويؤكد وليد حمد، عضو مجلس قلنديا البلد وأحد سكان المنطقة المتضررة من قرارات المصادرةأن منزله واحد من بين المنازل التي وصلتها الإخطارات، موضحًا أن المبنى السكني الذي يقطنه يتكوّن من طابقين، في كل طابق شقتان، ويقطنه حاليًا 40 فردًا. ويضيف أن الأرض المقامة عليها العمارة مسجّلة رسميًا ولها كوشان طابو منذ عام 1936، ما يؤكد قانونية الملكية وقدمها.
الحاج شريف عوض الله (أبو سامر)، أحد المالكين المتضررين، يروي رحلته في حماية أرضه التي لم تكن يومًا أرضًا مهجورة، بل إرث عائلي توثّقه سندات طابو عثمانية وإنجليزية وأردنية.
أبو سامر استصلح أرضه وزرعها بالزيتون، وأقام حولها سورًا عام 2019، لكن الاحتلال هدمه بحجة البناء دون ترخيص. أعاد الرجل إحاطتها بأسلاك معدنية لتفادي حجج الاحتلال، واستمر بزراعتها رغم المضايقات.
واليوم يتلقى أمرًا يطالبه بإخلاء أرضه خلال 20 يومًا استنادًا إلى "أوامر مصادرة" تعود إلى عام 1982.
وبرغم كل ذلك، يعلن أبو سامر بثبات ويختم حديثه بصلابة واضحة: "لن نغادر. هذه أرضنا وحقنا، لن نتخلى عنها وسنبقى فيها ما حيينا."
قلنديا بلدة على حافة الكارثة
خلاصة المشهد أن ما تتعرض له قلنديا ليس مجرد توسع استيطاني عابر، بل هجمة مركبة: مصادرة أراضٍ، هدم بيوت، بناء مكب نفايات سام، تغيير جغرافي وديمغرافي، وخنق بيئي مميت.مشروع يسعى لإعادة رسم المنطقة بما يخدم خارطة الاحتلال المستقبلية، ويدفع السكان نحو هجرة قسرية صامتة تحت ضغط الخطر الصحي والبيئي.
مواضيع ذات صلة
المرأة الغزية.. أم معيلة ودرع في زمن العواصف
جنين "تداوي" مشفاها
مواجهات مع الاحتلال في بيت فوريك شرق نابلس
الاحتلال يقتحم جيوس شرق قلقيلية
الاحتلال يُجبر مواطنا على هدم منزله في بلدة سلوان
سفارتنا لدى مصر تنظم يوما ثقافيا يسلط الضوء على الحضور الفلسطيني في معرض القاهرة الدولي للكتاب
غزة: الصليب الأحمر يسهل نقل 9 معتقلين محررين إلى مستشفى شهداء الأقصى