نزار العيسة يرسم خريطة الوطن بقدمين وعدسة
.jpg)
بيت لحم- الحياة الجديدة- زهير طميزة- لا يمكنك أن تعد نزار العيسة مصورا ولا رحالا ولا سيّارا، قد يكون نزار خياطا ماهرا، فعلى الرغم من أنه لم يترك تقريبا زاوية نائية في الوطن السليب إلا ووطأتها قدماه وصورها بكاميرته، وبالرغم من أنه سار مئات الكيلومترات بين الأودية والجبال حتى امتلأت قدماه بمسامير العظم، فهو ليس رحالا.. هو فقط يخيط الجغرافيا ليلبسنا إياها ثوبا من ذاكرة لا تشيخ.
ابن زكريا المهجرة عام 1948، ولد في مخيم الدهيشة للاجئين جنوب بيت لحم، حيث شكلت الأسلاك الشائكة التي أحاط الاحتلال المخيم بها، أفق طفل ظل يعتقد أن الخروج من دائرة الأسلاك كما النفوذ إلى الفضاء الخارجي للأرض، حتى كانت برك سليمان القريبة أولى محطاته الفضائية خارج الجدار الشائك. حينها عرف أن للأفق ألوانا أخرى غير الرصاصي، فالأزرق والأخضر يختلطان في لون مياه البركة التاريخية التي جعلها سليمان القانوني خزان بيت المقدس كي لا يعطش حجاج الأقصى.
في سن الثالثة عشرة أتيحت الفرصة للطفل اللاجئ أن يزور فرنسا، بفضل التبادل الثقافي بين مؤسسات المخيم ومؤسسات اليسار الفرنسي، وهي الزيارة التي فتّحت وعيه على رحابة الفكرة، فزيارة طفل الدهيشة لمتحف "اللوفر" لم تكن مجرد صدمة حضارية، بل وحافزا للانطلاق نحو إخراج أطلال زكريا من متحف الذاكرة إلى رحابة الحياة.
يقول نزار العيسة لـ "الحياة الجديدة": بدأت أتلمس خطواتي وأنا أسير على قدميّ مقتنعا أن تراب بيت لحم هو امتداد لتراب يافا وحيفا وبالتأكيد لـ (تل) زكريا. صممت على زيارة قريتنا، وبعدها بدأت دائرة الفضول تزداد وتتسع، فصار السير واكتشاف مناطق جديدة سيرا على القدمين شغفا لا يمكنني مقاومته".
في غمرة فضوله لاكتشاف جغرافيا أراضي عام 1948 وقراها المهجرة، لم يهمل نزار بقية أرجاء الوطن المحتل عام 1967، فكانت قدماه تخيط الغور بالساحل والجبل بمرج ابن عامر.
باستثناء قطاع غزة وصحراء النقب اللذين لم يتح له وصولهما، تمكن نزار من التجوال في بقية الربوع، فمن حدود لبنان وسوريا شمالا إلى مغر وكهوف مسافر يطا وصحراء البحر الميت جنوبا، ومن حدود الأردن إلى سواحل يافا وقيساريا وعكا، حيث وثقت عدسته كل تلة ومغارة وواد، وَلِجَ الأديرة والكنائس والمساجد القديمة، عرفته حارات يافا وحيفا والناصرة والقدس القديمة، بنى جسرا من قدمين فوق وادي الصرار الواصل بين القدس ويافا، وطاف في وادي السدر حيث تنمو أشجار السدر متحدية صرامة بيئة الأغوار.
قدمت كاميرا نزار العيسة لكل فلسطيني وخاصة اللاجئ والمنفي والممنوع من السفر، إمكانية أن يشاهد تفاصيل الأمكنة التي طالما حلم برؤيتها، وأخذ الكثيرون يقارنون بين الحلم والواقع، فوجدوا تشابها أقرب إلى المعجزة بين ما تخيلوه عن وطنهم وقراهم، وبين ما عرضته لهم عدسة نزار، هذا لأنهم كانوا يستمعون لحكايات الجدات بقلوبهم، لا بآذانهم فقط.
يضيف العيسة: بعد ظهور وسائل التواصل الاجتماعي بدأت أنشر ما التقطه من صور وفيديوهات لمختلف الأماكن التي تجولت فيها، لأتفاجأ بحجم الاهتمام بما أنشره، ولاحقا صرت أتلقى مئات المكالمات والرسائل من فلسطينيي المهجر والشتات ومن مخيمات اللجوء، كل يطلب مني نشر صور لبيته وقريته وحارته في زكريا وعجور وصفد وعكا واللد والرملة ومن بيت جبرين وبيت نتيف وقرى اللطرون ولفتا وصفوريا وكرمل حيفا ومن مغارة سليمان تحت القدس، وفي كل مكان من فلسطين المتخيلة.
شاهد جمهور نزار العيسة مطاحن الحبوب ومعاصر النبيذ والزيتون الكنعانية، كما تتبع قناة السبيل التي أوصلت مياه بركة "الشط" وينابيع العروب شمال الخليل، إلى برك سليمان في بيت لحم ثم إلى القدس بدون مضخات أو كهرباء.
فمن دير حجلة والمغطس في أريحا إلى مسجد السكسك في يافا، ومن قلعة جديّن وأسوار عكا إلى باب حطة وأسوار القدس، ومن حرم إبراهيم وكنيسة المسكوبية في الخليل إلى جبل هيروديون في بيت لحم، ومن رأس الناقورة حتى تل عراد على مشارف بئر السبع، أعاد نزار العيسة رسم خريطة الوطن بقدميه وعدسة الكاميرا، موثقا أرشيفا لذاكرة لا تشيخ.
"كثيرا ما تحدث إليّ اطفال المخيمات طالبين مني احضار الميرمية والزعتر وحجارة صغيرة من قراهم التي سمعوا عنها من أجدادهم الذين رحلوا وتركوا لهم حرية تخيل الديار، فمنحتهم ضمة من زعتر بري لم يجد من يقطفه، وصورة ذات طعم ولون ورائحة عن أماكن اعتقدوا أن ألوانها محصورة بين الأبيض والأسود".
كان الأمر أسهل حتى بدأت حرب الإبادة، فتوقفت قدما نزار عن السير في أراضي النكبة، لتنحصر في ما تبقى من مساحة النكسة، وحتى الكثير من المناطق المصنفة (ج) بات دخولها ممنوعا على أصحابها الفلسطينيين.
.jpg)
.jpg)
.jpg)
مواضيع ذات صلة
إصابة مواطن واقتحام وعمليات هدم واسعة في مخيم قلنديا وكفر عقب وشارع المطار شمال القدس المحتلة
السفيرة الخالدي تُطلع وزير الخارجية السلوفاكي على آخر المستجدات بشأن حرب الإبادة وخطة الإعمار
الشيخ يستقبل القنصل الإسباني لدى دولة فلسطين
الاحتلال يهدم غرفتين سكنيتين ويردم بئري مياه ويعتقل شابا جنوب الخليل
اتحاد الووشو كونغ فو يختتم بطولته التصنيفية في البيرة بمشاركة أكثر من 200 لاعب ولاعبة
الاقتصاد والضابطة الجمركية تضبط سلعة غذائية مخالفة داخل مستودع في رام الله
مستعمرون يعتدون على ممتلكات المواطنين في دوما جنوب نابلس