إشعال الضفة تمهيدا لفرض واقع الضم
باسم برهوم

أثناء انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، في ايلول/ سبتمبر الماضي، تعهد الرئيس الأميركي للدول العربية والإسلامية شفويا بإبطال أي محاولة إسرائيلية لضم الضفة. ولكن ما تقوم به إسرائيل على الأرض يمهد لفرض واقع يؤدي إلى تقسيم الضفة على غرار تقسيم قطاع غزة، مما سيؤدي عمليا إلى ضم مساحات واسعة من مناطق "c"، وربما من مناطق "b" ايضا، وقد تعمل على حصر القسم الأكبر من السكان في معازل في المدن والقرى مع مساحات ارض محودة جدا.
ما يحصل الآن في قطاع غزة يشير إلى أن إسرائيل تسيطر عمليا على أكثر من نصف القطاع، تحتل المناطق الأقل سكانا والأوسع أرضا، وقد تحيط ما تبقى بجدار يضع اكثر من مليوني مواطن فلسطيني في سجن حقيقي، وفي ظل رقابة مشددة على كل حركة يمكن ان يقومون فيها، وظروف معيشية ونفسية صعبة، ربما تمهيدا للتهجير تدريجيا وليس بدفعة واحدة صادمة.
في الضفة، هناك تصعيد ملموس وخطير جدا لإرهاب المستوطنين. فقد اصبحت هجمات المستوطنين عملا يوميا، وعلى نطاق واسع بحيث يشمل كل مناطق الضفة من شمالها إلى جنوبها، ومن الأغوار شرقا حتى جدار الفصل العنصري غربا.
والإرهاب يتم بشكل مفضوح أمام سمع وبصر العالم، حيث يقوم الارهابيون بحرق وتدمير الممتلكات، البيوت والسيارات والمصانع والمزارع، ويقتلعون الأشجار، ويقتلون المواشي والدواجن، بالإضافة الى قتل البشر. وبموازاة ذلك تم عمليا تقسيم الضفة بأكثر من 916 حاجزا عسكريا، و250 بوابة حديدية ومئات المكعبات الاسمنتية. والملفت ان جيش الاحتلال يجري مناورات غير مسبوقة يحاكي من خلالها عملية عسكرية واسعة لاحتلال مناطق واسعة في ضربة واحدة وبسرعة.
كل المؤشرات تؤكد ان إسرائيل، وبالتحديد هذه الحكومة المتطرفة، تتجه نحو تقسيم الضفة لتسيطر إسرائيل وتضم مناطق "c" كمقدمة لضم مناطق أوسع، والمدخل لتنفيذ هذا المخطط، هو إشعال الضفة، والدفع عبر إراهب المستوطنين إلى تفجير الوضع، مما يبرر القيام بالعملية العسكرية الواسعة وفرض واقع التقسيم بالقوة. فالسيناريو بات مكشوفا، ضغط المستوطنين، بالإضافة إلى ضغط الجيش وحصار المناطق، وتقييد حركة المواطنين الفلسطينيين، الذين باتوا يئنون من الفقر والبطالة، بسبب الحصار المالي، كل ذلك سيؤدي في نهاية الامر إلى الانفجار الشعبي الفلسطيني، وهو بالضبط ما تنتظره الدوائر الإسرائيلية للتدخل بقوة وفرض الواقع المشار إليه.
وبينما كانت إسرائيل بحرب إبادة جماعية في قطاع غزة، كانت بحرب لا تقل خطورة أيضا تجري في الضفة والقدس الشرقية، فخلال عامي الحرب اعلنت دولة الاحتلال 355 مخططا هيكليا استيطانيا في الضفة والقدس، كما هدم جيش الاحتلال 3679 منزلا ومنشأة فلسطينية. وإلى جانب ذلك كله، قام جيش الاحتلال بتغيير معالم مخيمي جنين وطولكرم وتهجير القسم الاكبر من السكان.
ومن الواضح ان المدخل لاستكمال مخطط التهويد والضم هو تفجير الأوضاع في الضفة، وافتعال مواجهة واسعة يتم خلالها فرض التقسيم، وتغيير الواقع بحيث يستحيل معه إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وفرض واقع طارد للسكان، بمعنى عملية تهجير وتطهير عرقي ممنهج، من دون ان تثير ضجيجا إعلاميا كبيرا يحرج الولايات المتحدة الأميركية، التي تقول انها تعمل من اجل السلام، وفي سياق قد يؤدي إلى دولة فلسطينية. وهنا التشديد على كلمة "قد" وبحجة استكمال الإصلاحات في السلطة الوطنية الفلسطينية، يتم إخضاع أراضي الدول الفلسطينية وسكانها للوصاية.
هناك حاجة ان يصر الوسطاء على ربط قطاع غزة بالضفة قولا وفعلا، والاصرار على ان السلطة الوطنية الفلسطينية هي صاحبة الولاية على اقليم الدولة الفلسطينية، وان أي شيء انتقالي بالضرورة يكون له هدف واضح وهو تحقيق استقلال الدولة الفلسطينية.
وطالما تواصل الصمت حول ما يجري في الضفة، وطالما يجري تعميق التقسيم في غزة، فإن لا مصداقية لأي خطة سلام. ولعل الخطوة الاولى الضرورية في أي مسار لإقامة سلام شامل في الشرق الأوسط، لا بد ان تبدأ من لجم إرهاب المستوطنين وتجميد الاستيطان خلال تتفيذ خطة الرئيس الاميركي ترامب والتأكيد ان قطاع غزة لن يقسم وانه جزء من الدولة الفلسطينية. ما يلاحظ ان هناك تجاهلا لما يجري من انتهاكات خطيرة في الضفة، وكأن انهاك الناس، وانهاك السلطة، وتدمير الممتلكات، والاستيلاء على مساحات واسعة من الأرض عبر اشكال متعددة، لا يعتبر ضما.
الجميع في المنطقة رحب بخطة الرئيس ترامب. ولكن هذا الترحيب لا يعني الصمت عن انتهاكات إسرائيل.
مواضيع ذات صلة
مكيالان في الفضاء الرقمي: ضجيج الضفة وصمت غزة
حربان في زمن واحد: المعركة على الأرض والمعركة على الوعي ...
متى نرى الجميع سعداء؟!
التعليم لأجل التعافي… حين يصبح التعلم فعلَ صمودٍ في زمن الحرب
معا نحمي الحياة… الوعي مسؤولية وطن في زمن الظروف الاستثنائية
حين تبتلع الصورة المعنى: أزمة الذائقة في الإعلام الجديد
الوطن أم القلاع المبنية من حجارة هشة ؟!