عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 09 تشرين الثاني 2025

أبو عمار.. كوفية لا تهرم

نابلس– الحياة الجديدة – بشار دراغمة- في الحادي عشر من تشرين الثاني، يتوقف الزمن في فلسطين ليُصلي على روحه، تتعطل الخُطا عند ذاكرة رجل ظل وطنا يمشي بين الناس.

منذ رحيل ياسر عرفات، والسنوات تمشي مثقلة بغيابه، بينما فلسطين ما زالت تُقسم على اسمه في كل فجر جديد، وظل الأمل حاضرا بمن سار على الثوابت فمضى الرئيس محمود عباس على الدرب ذاته، حاملا ثوابت الراحل كمن يحمل وصية مقدسة، يحرسها من رياح السياسة ومن تعب السنين.

ياسر عرفات، الاسم الذي ما إن يُذكر حتى تنتفض في الصدور رايات لم تخفها العواصف، لم يكن رجلا عابرا في تاريخ فلسطين، بل فصلا رئيسا من كتابها المقدس، كتبه بدمه وحصاره وإصراره الذي كان يكابر حتى في الموت.

في نابلس التي تعرف بلدتها القديمة أبو عمار جيدا، تنبت الذكريات من بين الحجارة، وفي حوش العطعوط، لا تمر الريح إلا وتحمل شيئا من صوته، رغم أن الكثيرين لم يعيشوا في تلك الحقبة التي وصل فيها أبو عمار إلى هناك، إلا أن الذكرى والروايات تشكل موجة متراكمة من الحنين.

تقول أم محمد حسون: إن حوش العطعوط الذي حضر إليه أبو عمار وبدأ يشكل الخلايا لمقاومة الاحتلال من داخله يعني الكثير بالنسبة للمواطنين هنا في البلدة القديمة.

وتضيف: "ما يرويه الناس من ذكريات تقول إن أبو عمار كان يعد الناس أن القدس قريبة، لم يكن أهل الحوش يعرفون أن من يقيم عندهم هو أبو عمار، وكان يخبرهم أن اسمه أبو محمد".

قبل أكثر من عام التقى مراسل الحياة الجديدة اللواء الراحل عبد الإله الأتيرة في بيت عزاء، كان كعادته يتحدث عن عرفات وذكرياته في نابلس وكأنه يوثق رواية للتاريخ.

يقول الأتيرة: "كان عمري ثمانية عشر عاما حين جاء أبو عمار إلى حوش العطعوط، جاءنا من نهر الأردن مشيا، يحمل على ظهره عشرين كيلوغراما من العتاد العسكري، وقلبا لا يعرف الخوف، من بيت صغير في الحوش بدأت الخلايا الأولى تتشكل، ومن هناك امتد اللهيب إلى كل المدن الفلسطينية".

في رواية الأتيرة، لا يبدو عرفات قائدا فحسب، بل كان ناسكا في محراب الثورة، لم يكن يسأل عن طعام أو شراب، بل عن الوطن، بدأ الرجال يلتفون حوله سريعا.

حين جاء أبو عمار نابلس بعد قيام السلطة الوطنية، عاد إلى الحوش كما يعود الابن إلى حضن أمه، ما إن وطئت قدماه أزقته حتى عاد للحديث عن الذكريات هناك، وكأن شريط الذاكرة انساب من بين حجارة المكان.

أبو ناصر خمسيني يعيش في البلدة القديمة يقول: "سيرة أبو عمار لا تغادر الذاكرة، هو ليس بحاجة إلى إحياء ذكرى لنتذكره، هو حاضر فينا يوميا، ونعرف أن من ساروا خلفه مضوا على طريقه، وحفظوا أمانته".

يضيف أبو ناصر "أنظر يوميا إلى صورته التي أحملها كما أنه سيعود الآن، ظل أبو عمار قريبا من الكل، ينام على وجعنا، ويقسم أن النصر قريب، لم يكن رئيسا فقط، كان أبا كان وجعنا حين نتوجع، وصبرنا حين نكاد ننهار".

أما محمد دروزة شاب في العشرين من عمره لم يكن قد ولد حين رحل عرفات، يقول بحزن يملأ القلب "نحن جيل لم يعش زمن أبو عمار إلا عبر الحكايات، لكننا نحبه كما لو أنه معنا، كل ما في فلسطين يحمل بصمته، حتى الهواء في المخيّمات يعرفه، إنه رمز لا يموت، لأنه لم يكن فردا بل فكرة".

وفي قلوب الناس، يبقى عرفات حيا، حاضرا في الدعاء، وفي كل يد ترفع علم فلسطين وتقول:

"على هذه الأرض ما يستحق الحياة، ولهذا الاسم ما يستحق الخلود".