عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 03 تشرين الثاني 2025

الفلسطيني بين الوجود القانوني والغياب السيادي: فلسفة الجنسية في غياب الدولة

عميد دكتور/ شادي جبارين*

ليست الجنسية في جوهرها مجرد رابطة قانونية تُنظم الانتماء، بل هي تعبير عن معنى الوجود داخل نظام القانون الدولي. فالجنسية تُحدد موقع الإنسان في خريطة السلطة والسيادة، وتمنحه هوية قانونية تحميه من التلاشي في الفراغ بين الدول. لذلك فإن فقدان الجنسية أو غموضها لا يعني فقط فقدان الوثيقة الرسمية، بل انكشاف الذات الإنسانية أمام الفراغ القانوني، وانهيار الرابط بين الإنسان والعالم الذي يعترف به.

في الحالة الفلسطينية، تتحول الجنسية من أداة تنظيم قانوني إلى قضية ميتافيزيقية تمس معنى "الوجود في غياب الدولة". فالفلسطيني هو المواطن الذي سبق دولته، وأصر على الاحتفاظ بجنسيتها قبل أن تتشكل مؤسساتها. هنا ينقلب المنطق الكلاسيكي للعلاقات الدولية: ليست الدولة هي التي أنشأت مواطنيها، بل المواطن هو الذي أنشأ دولته في الوعي والذاكرة، وفرض وجودها كفكرة قانونية رغم غيابها ككيان سياسي.

القانون الدولي، في بنيته التقليدية، يفترض أن الجنسية فعل سيادة يصدر عن دولة قائمة، وأن وجود الدولة شرط لوجود الجنسية. لكن الفلسطيني كسر هذه المعادلة، وأثبت أن الإرادة الجمعية قد تسبق السيادة، وأن الشعب قادر على إنتاج شرعيته الذاتية حين يُحرم من الاعتراف الخارجي. الجنسية الفلسطينية، بهذا المعنى، ليست منحة قانونية، بل مقاومة ميتافيزيقية ضد النسيان.

حين أُنشئ صك الانتداب البريطاني على فلسطين عام 1922، جرى الاعتراف قانونيا بكيان سياسي اسمه "فلسطين" له سكان يحملون جنسيتها. لكن الانتداب لم يكن يهدف إلى ترسيخ هذه الهوية، بل إلى تهيئة الأرض لنفيها. ومع زوال الانتداب وقيام دولة الاحتلال، لم تختفِ الجنسية الفلسطينية بل تحولت إلى "أثر قانوني مقاوم" يعيش في الوعي الجمعي رغم محاولات الشطب من السجلات. إنها جنسية بلا دولة، لكنها ليست بلا ذاكرة.

الفلسطيني، في المنفى، يحمل جنسيته كما يحمل ذاكرته. لا وثيقة رسمية تحميه، لكن وعيه بذاته يحفظه من الذوبان. إن تمسك الفلسطيني باسمه وهويته ليس مجرد حنين، بل ممارسة فلسفية لحق تقرير المصير في غياب مؤسسات الدولة. فحين تُنزع من الإنسان أدوات الحماية القانونية، لا يبقى له إلا اللغة والوعي لتأسيس قانون بديل، هو قانون الذات التي ترفض الانقراض.

وهكذا، فإن الجنسية الفلسطينية ليست علاقة بين الفرد والدولة، بل علاقة بين الفرد والتاريخ، بين الإنسان والحق. إنها فكرة تتجاوز النصوص إلى المجال الرمزي، حيث يصبح الانتماء فعلا من أفعال الوعي قبل أن يكون فعلا من أفعال القانون. هنا تتحول الجنسية من وصفٍ قانوني إلى خطاب وجودي، من وثيقة إلى شهادة على أن الوجود الفلسطيني لم يُمحَ رغم تغيّر خرائط السيادة.

في المنظور الفلسفي، يمكن القول إن الفلسطيني يعيش حالة "الوجود في العدم القانوني". إنه موجود قانونا، لكن دون كيان قانوني يحتضنه. ومع ذلك، لم يتحول هذا الغياب إلى فراغ، بل إلى مساحة للمقاومة الرمزية. الجنسية الفلسطينية صمدت لأنها وجدت معناها خارج الإطار الإداري؛ هي ليست علاقة تبعية لدولة، بل علاقة وفاء لفكرة الدولة التي لم تولد بعد.

ومن زاوية الفقه الدولي، تمثل الحالة الفلسطينية تحديا لمبدأ مونتفيديو الذي يربط قيام الدولة بوجود شعب وإقليم وحكومة وسيادة. فالشعب الفلسطيني موجود، والإقليم معروف، والسلطة في طور التكوين، لكن السيادة ما زالت مؤجلة. ومع ذلك، استطاع هذا الشعب أن يخلق لنفسه هوية قانونية متماسكة، وجنسية معترفا بها ضمنيا، حتى في غياب الاعتراف الكامل بالدولة.

ما يميز التجربة الفلسطينية أن الجنسية لم تكن نتاج قرار إداري، بل ثمرة صراع من أجل الوجود. لقد احتُفظ بالوثائق القديمة، وتوارثتها الأجيال كرموز سيادة مؤجلة. فكل وثيقة لاجئ، وكل جواز صادر عن منظمة التحرير، هو إعلان ضمني بأن الجنسية الفلسطينية لم تُلغَ، بل نُزعت من فضائها السياسي لتُعاد كتابتها في فضاء الذاكرة الجمعية.

إننا هنا أمام جنسية لا تستمد شرعيتها من القانون المكتوب، بل من عدالة التاريخ. فالحق في الجنسية الفلسطينية يستند إلى مبدأ أصيل في القانون الدولي هو "الحق في تقرير المصير"، الذي أقرته الأمم المتحدة مرارا للشعوب الواقعة تحت السيطرة الأجنبية. بهذا المعنى، فإن الجنسية الفلسطينية ليست امتيازا، بل استحقاق قانوني يوازي الحق في الوجود ذاته.

تُظهر هذه التجربة أن الدولة ليست دائما شرطا للجنسية، بل إن الجنسية قد تكون شرطا للدولة. فحين يحمل الشعب هويته بإصرار كافٍ، يُجبر النظام الدولي على الاعتراف به ككيانٍ له إرادة سياسية. لقد سبق الفلسطينيون دولتهم بالوعي، ومارسوا سيادتهم الرمزية قبل أن تُتاح لهم السيادة القانونية. إنهم يبرهنون أن القانون، في جوهره، ليس نصا بل إرادة.

التمسك بالجنسية الفلسطينية هو تمسك بمعنى الكرامة القانونية. فالفقدان القانوني الذي تعرض له الفلسطيني لم يُنتج الانكسار، بل أنتج تحديا مضاعفا لإعادة تعريف مفهوم المواطن في غياب الدولة. أصبح الفلسطيني هو "المواطن المنفي" الذي لا يحمل جوازا معترفا به دوليا، لكنه يحمل اعتراف العالم بعدالة قضيته .من هنا، فإن فلسفة الجنسية الفلسطينية تتجاوز القانون إلى الأخلاق. فهي ليست مجرد مطالبة بحق قانوني، بل مطالبة بالاعتراف بالإنسان ذاته، باعتباره كائنا لا يجوز شطبه من الوجود السياسي. الجنسية هنا تعادل الحق في الذاكرة، والحق في الأرض، والحق في تسمية الذات. إنها فعل مقاومة ضد التهميش القانوني والوجودي.

ولذلك فإن الحفاظ على الجنسية الفلسطينية عبر الشتات هو تأكيد مستمر على أن القانون الدولي — مهما حاول تجاهلها — لا يستطيع إلغاء الوعي. فالقانون ينهار أمام الإرادة حين تتحول الهوية إلى حقيقة يتوارثها الأبناء. الفلسطيني لا يطلب من العالم أن يمنحه جنسيته، بل يطالب العالم بالاعتراف بجنسية موجودة بالفعل، في اللغة والوعي والتاريخ.

ختاما، يمكن القول إن الجنسية الفلسطينية لم تعد مجرد فكرة رمزية أو حالة قانونية معلّقة في الوعي الجمعي، بل بدأت تتجسد تدريجيا في بنية القانون والمؤسسات. فمن خلال السلطة الوطنية الفلسطينية، التي نشأت عن اتفاقيات دولية حملت اعترافا ضمنيا بالشخصية القانونية الفلسطينية، ومن خلال الاعترافات الدولية المتزايدة بدولة فلسطين كعضو مراقب في الأمم المتحدة، بدأت ملامح الجنسية الفلسطينية تتحول من الوعي إلى الكيان. كما أن الحراك السياسي والدبلوماسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، قد أعاد ترسيخ الوجود القانوني للشعب الفلسطيني في النظام الدولي، بدعم من القيادة الفلسطينية الواعية التي استندت إلى إرادة شعبٍ حافظ على هويته رغم الشتات. واليوم، ومع العمل الجاري على صياغة دستور دولة فلسطين، يبرز واجبٌ وطني وقانوني عميق يتمثل في تعريف "الفلسطيني" تعريفا قانونيا دقيقا، يعكس تاريخ الصمود ويستجيب في الوقت نفسه لمتطلبات الدولة الحديثة القائمة على سيادة القانون والمواطنة. فالجنسية الفلسطينية تدخل بذلك طور التكوين الدستوري، لتتحول من هوية مقاومة إلى هوية مؤسسة، ومن وعي تاريخي إلى نظام قانوني مكتمل الأركان.

* المستشار القانوني لهيئة التوجيه السياسي والوطني