عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 02 تشرين الثاني 2025

كتبت إليه، وكتب إليًّ!

تغريدة الصباح - حسن حميد

 

أربع رسائل تبادلتها مع الكاتب الألماني (توماس بالك) في الشهور الأخيرة، وهو كاتب مسرحي معروف في بلاده وأوروبا، وله عين رائية ممتدة نحو أهم قضايا العالم، لإيمانه بأن العالم أصغر من قرية، بل هو بيت واحد مكانه معروف، وأحلامه معروفة، وما يعانيه أهله معروف أيضاً لكل من يمتلك مشاعر إنسانية، وعقلاً ويعرف معاني الحرية والمساواة والخير والحق والجمال.

  رسائل الكاتب الألماني الثلاث الأولى، كانت رسائل حزينة، ذات علائق بما يحدث في بلادنا العزيزة فلسطين،  لا سيما في غزة والضفة الفلسطينية المحتلة، ورسائلي إليه دارت حول أسئلته الكثيرة، فأخبرته تفصيلاً، كعادتي، عن ما يحدث، عن تجريف الإسرائيليين للقرى والمدن والمخيمات ودمارها في الضفة الفلسطينية المحتلة وغزة، لأن الإسرائيلي يخاف من كل ما يحيط به، يخاف من التلال والأودية والجبال والحقول والأشجار والحجارة، ومن البيوت الفلسطينية الواقفة، يخاف من  المخيمات الفلسطينية في قطاع غزة والضفة الفلسطينية المحتلة  يخاف من المعاني التي تقولها الخيام، ومن القصص والحكايات التي تدور داخل بيوت المخيمات، يخاف من اجتماع الناس في المخيمات، ويخاف من اجتماع الحكاية الفلسطينية، ومن معنى نكبة الفلسطينيين عام 1948، ولهذا يدمر المخيمات من أجل أن يشظي السردية الفلسطينية، وأنّ الإسرائيلي، وطوال وقت الحرب، لا عمل له سوى حرق البيوت، وجرف الحقول، وردم الآبار، لقد دمر مراكز الثقافة، والمتاحف، وحرق كل شيء، حتى التراب حرقه من أجل أن يخفي الألوان،  كي يبقى اللون الأسود، لون الرماد والشحوب، هو اللون الوحيد لكل الأشياء، من ركام البيوت، وحرق الحقول، والخيام، إلى صور الوجوه.

أما رسالة (توماس بالك) الرابعة، فكانت صفحات عدة، وسطورها تتحدث عن انقلاب حال الألمان، عقلا وعاطفة، تجاه الفلسطينيين، وعن شواهد، من حياتهم، تؤكد تغير المزاج الألماني، والأمزجة الأوروبية أيضاً، تجاه الحال الفلسطينية وهي تواجه الهمجية الإسرائيلية، والتعبير له، وما آلت إليه الأمور من موت، وفقد، وخراب، وتوحش اسرائيلي بسبب الخذلان العالمي للشعب الفلسطيني، والسكوت المدوي، والرضا القبيح بالفرجة على ما يحدث.

قال لي: إن تغير المزاج الألماني والأوروبي، امتد إلى الثقافة، فدور النشر ومراكز الأبحاث المستقلة، والتابعة للجامعات، ترحب اليوم بنشر الأدب الفلسطيني خاصة، والأدب العربي عامة، الذي يدور حول ما يحدث في بلادكم، والقارئ الألماني، وربما الأوروبي أيضاً، يطالب بقراءة المزيد، من أجل معرفة المزيد عن الصراع العربي الإسرائيلي كي يتأكد من أن كل ما قرّ في واعيته، وعقله من معلومات وقناعات عن العرب والإسرائيليين ليس بصحيح ومنطقي، وصادق بسبب الضخ الإعلامي منذ سبعين سنة وأزيد من جهة، وبسبب الخوف من العقاب الإسرائيلي من جهة أخرى، وقال لي في رسالته للتوضيح: إن أغلب الدول الأوروبية، ومنذ سنوات بعيدة، أصدرت قوانين تحرم الخوض في الحديث عن اليهود والصهيونية والحال الإسرائيلية القائمة بما لا يوافق ما يرضاه الإسرائيلي منذ سبعين سنة وأزيد.

قلت له مستفسراً، ما الذي تعنيه بأن دور النشر ترحب بالكتابات الفلسطينية، والأدب الفلسطيني، أو ما يكتب عن الحال الفلسطينية، فقال: لعلك تعرف أن كل ما أرادت الرواية الفلسطينية توكيده تاريخياً واجتماعياً وحضارياً من أحقية الفلسطينيين بأرضهم وبلادهم كان فعلاً مهدوراً، ولا يعبأ به أحد من أصحاب دور النشر، حتى لو كان إبداعاً أسطورياً في المعنى والحضور الإنساني، بسبب الخوف من الانتقاد والانتقام من الإسرائيليين، وكان العارفون باللغة العربية من الألمان، يولدون وهم يعرفون بأن أي ترجمة من الأدب الفلسطيني إلى اللغة الألمانية لن تلقى القبول والترحاب من دور النشر الألمانية، لا سيما الدور الشهيرة منها، للعلة ذاتها، أي الخوف من الغضب الإسرائيلي، ومن المساءلة الإسرائيلية. قلت: والآن؟ قال: لقد تغير المزاج الألماني، وأنا آسف، لأن هذا التغيير احتاج إلى سنوات طوال كيما يغير من وجهته وقناعاته، لكن المهم الآن، هو أنه تغير أخيراً لأن الناس، في بلادي، عرفوا الكثير عن بلادكم ومعاناتكم، عبر الصور التي وصلت اليهم، وقد كانت مقنعة وموجعة، وأخباركم يتداولها الناس في كل الأمكنة، وهنا في المانيا، يتداولونها داخل المقاهي والمطاعم، وداخل البيوت، وهنا تكمن الأهمية، فطلاب الجامعات أدخلوا ما تقوله السردية الفلسطينية إلى بيوتهم، لقد انزاحت مشاعرهم إلى مكان آخر كان من المحرم التفكير به، أو قل كان من المستهجن التفكير به أو الانشغال بحيثياته، اليوم أصبحت المعاني والسلوكيات الألمانية، وعلى نحو عام، وليس شاملاً، تدور حول معاني الحرية والحقوق والإنسانية، والحضارة، والوعي، والحق، والسلام في بلادكم من جهة، ومحو اللامبالاة، والتردد والبلادة، والخوف من جهة أخرى، قلت لـ (توماس بالك) في ردي: ومن هم الأدباء الفلسطينيون، يا (توماس بالك) الذين ترجمت أعمالهم الأدبية قبل هذين العامين، أعني عامي حرب الإبادة الإسرائيلية، قال: قلة! نحن نعرف بعض أدبائكم من الأخبار الثقافية، وليس من الكتب، شاعركم الكبير محمود درويش، عرفنا أهميته من الكتابات النقدية، ومن كتب الأنطولوجيا الشعرية للشعر العربي، أما شعره فهو غير مترجم الترجمة الألمانية التي تليق به كمبدع كبير يمثل الشعر العربي، ولعل مثل هذه الحالة بادية أيضاً في اللغات الأوروبية الأخرى كالانجليزية والفرنسية والإسبانية، قلت لـ (توماس بالك): وهل تغيرت هذه الحال خلال العامين الماضيين؟ قال: في العام الأول من الحرب، لم يتغير شيء، لكن في العام الثاني تغير ما سميته ( الخوف المتراكم)، فدور النشر الألمانية تطلب اليوم من الألمان العارفين باللغة العربية، ومن الأدباء العرب المقيمين في ألمانيا، أو في بعض الدول الأوروبية، أن يترجموا شعر محمود درويش ككتب، وليس كقصائد مختارة، وأن يترجموا روايات وقصص لبعض الكتاب الفلسطينيين، على الرغم من الحيرة والبلبلة داخل دور النشر الألمانية الباحثة عن أهم الأسماء الأدبية الفلسطينية، لأن التقييم يعاني من كثرة التجاذبات. قلت: وهل تمت ترجمة بعض ما يكتبه الأدباء الفلسطينيون خلال عامي الحرب علينا، قال: نعم، لقد اهتمت بعض دور النشر بما كتبه أدباؤكم من يوميات وسرديات تسجيلية، تتحدث عن أحداث الموت، وتصور مشاهد الخراب والدمار والهجرة من مكان إلى آخر، وكثرة المعاناة داخل المشافي، وفقد الأطعمة، ونقص الأدوية. قلت: يا صديقي (توماس)، وبماذا تنصح؟! قال اقتحموا دور النشر الألمانية والأوروبية والأميركية بكتبكم ومؤلفاتكم وإبداعاتكم التي تروي سرديتكم وروايتكم، وانا أعرف مصداقيتها، وغيري يعرف مصداقيتها أيضاً، كي تخرج إلى العلن فيجهر بها الناس من دون خوف، اقتحموا بروايتكم المشاهد الثقافية الأوروبية والأميركية من أجل أن تحافظوا على هذا المزاج الغربي الذي تغير، واحرسوه بقصصكم ورواياتكم وأشعاركم وتراثكم وكتاباتكم التاريخية، كي تأخذوا حقوقكم التي انتهكت، وكي نتحرر نحن من خوفنا الذي ورثناه منذ الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم. إن فعلتم هذا، لا تنقذون أنفسكم فقط، بل  تنقذون البشرية من العماء، وتنزعون الأقنعة من فوق الوجوه، وتدفنون الصفاقة والكذب والباطل والظلم، وتفتحون ممرات للهواء النظيف، وتخلصون الأجواء من روائح الكراهية.. والبارود.

Hasanhamid5656@gmail.com