"عميد أسرى فتح" يستعيد في ذاكرته مواسم الزيتون المؤجلة

نابلس- الحياة الجديدة- عزيزة ظاهر- لم يكن موسم الزيتون هذا العام عاديا بالنسبة لعميد أسرى حركة فتح، الأسير المحرر قتيبة مسلم "أبو حمدي" من بلدة تلفيت جنوب نابلس، بعد أن غيب قسرا عن 33 موسما لقطاف الزيتون، فقد شاءت له الأقدار أن يشارك في موسم القطاف لهذا العام.
الرجل الذي تجاوز الستين من عمره، وأمضى ما يقارب ثلاثة عقود في سجون الاحتلال، متنقلا بين الزنازين والمعتقلات ومراكز التحقيق، أفرج عنه في الدفعة الثالثة من عملية التبادل التي جرت مطلع كانون الثاني من هذا العام، وخلال مسيرته النضالية شهد عدة تجارب اعتقال منذ عام 1984 حين اعتقل أول مرة وقضى أربع سنوات ونصف السنة، ثم اعتقال إداري لستة أشهر عام 1990، تلاه مطاردة استمرت لعامين، ثم اعتقال ثالث عام 1992 حكم فيه بثماني سنوات وأمضى منها ثلاثا ونصف السنة، أما الاعتقال الأطول فكان في 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2000، حيث حكم عليه بـالسجن 37 عاما، أمضى منها 24 عاما متواصلة قبل أن يعود اليوم إلى الحياة التي طال انتظارها.
موسم الحرية
لم يكن اللقاء عاديا ولا حدثا عابرا، فحين سار أبو حمدي بين أشجار الزيتون التي نشأ بينها طفلا، كان يعود في الواقع إلى نفسه، بعد 33 عاما من الأسر، بدا وكأنه يعيد ترتيب العمر من جديد، يلتقط ملامحه التي ظل يحملها في الذاكرة، ويحاول وصل ما انقطع من تفاصيل الحياة.
وقف أمام شجرة يعرفها أكثر مما يعرف وجوه السجانين، انتظرها في مخيلته ثلاثة عقود، وقف أمامها طويلا، يلمس جذعها بأصابعه التي شاخت دون أن تشيخ روحه، وبيدٍ ارتجفت قليلا، قائلا بصوت خافت: "كنت أشعر أنني أتنفس هذه الشجرة في ذاكرتي، واليوم أتنفسها حقيقة، فموسم الزيتون هذا العام هو موسم حريتي"، ثم عانقها كما يعانق إنسان عمرا ضاع منه قسرا.
تفاصيل صغيرة تعيد الحياة
قررت عائلة مسلم أن يكون موسم الزيتون لهذا العام عيدا، التف الجميع حول أبو حمدي، تحت ظل زيتونة قديمة، وأشعل موقد النار، وضع إبريق الشاي فوق الجمر، أعدّ بيديه قلاية البندورة التي ظل يتخيل طعمها طوال سنوات الأسر تفوح منها رائحة الريحان، تأمل الدخان وهو يتصاعد نحو الفضاء المفتوح، كان المشهد بسيطا، لكنه كان يحمل معنى عميقا بالنسبة له ولعائلته.
الوالدة الثمانينية الحاجة خضرة، جلست إلى جوار ولدها بملامحها المتعبة وعصاها الخشبية، كانت تتأمل ملامحه وقد عاد رجلا بشعر أبيض، لكن بملامح القلب ذاته، وعيناها تلمعان بدموع لا تشبه دموع الحزن، بل دموع استرداد العمر المفقود قدر المستطاع، اقترب منها، أمسك يدها برفق، وقبّلها طويلا.
أما زوجته أم حمدي، التي انتظرت ما يقارب ربع قرن، أعدت ورق العنب والمحاشي بعناية وحب، بيدين تجرّعن الصبر كما يُتجرّع الماء، كانت تضع الطعام أمامه كما لو أنه وليمة حلمت بها طويلا، وتتابع اللحظات بصمت، وبابتسامة تحمل سنوات طويلة من الانتظار، تقول وهي تحرص أن تبقى كلماتها متزنة: الانتظار مدرسة، لكن الحمد لله ما ضاع صبرنا ولا تعبنا، يبادلها أبو حمدي النظرات ويقول برفق، أم حمدي لم تكن زوجة فقط، بل هي العمر البديل عن العمر الذي ضاع.
رمزية شجرة الزيتون
كانت العائلة تحاول أن تعيد ترتيب السنين بطريقة هادئة، دون ضجيج أو استعجال، بدا المشهد وكأنه استعادة بطيئة لملامح الحياة التي توقفت ذات يوم على بوابة الزنزانة.
لم يكن الحديث يدور حول ما مضى بقدر ما كان الاتجاه نحو ما يمكن استعادته، يتنفس أبو حمدي عميقا، يلامس جذع الزيتونة، كمن يصالح الزمن، يقول لصحيفة "الحياة الجديدة"، كل الأسرى يخرجون بأمنية واحدة، مكان صغير يظللهم وظل شجرة تحميهم، لا نطلب الدنيا، نطلب مساحة حياة فقط.
أما عن رمزية شجرة الزيتون في الموروث الفلسطيني يقول: تُشكّل شجرة الزيتون في الوعي الفلسطيني أكثر من رمز زراعي، هي ذاكرة وانتماء وامتداد جذور لا تنقطع رغم تبدل الفصول، وبالنسبة لي، كانت الشجرة شاهدة على غيابي الطويل، وهي اليوم شاهدة على عودتي لحضنها.
مواضيع ذات صلة
المرأة الغزية.. أم معيلة ودرع في زمن العواصف
جنين "تداوي" مشفاها
مواجهات مع الاحتلال في بيت فوريك شرق نابلس
الاحتلال يقتحم جيوس شرق قلقيلية
الاحتلال يُجبر مواطنا على هدم منزله في بلدة سلوان
سفارتنا لدى مصر تنظم يوما ثقافيا يسلط الضوء على الحضور الفلسطيني في معرض القاهرة الدولي للكتاب
غزة: الصليب الأحمر يسهل نقل 9 معتقلين محررين إلى مستشفى شهداء الأقصى